في لحظة مشحونة برهانات التأهل، اختار مدرب المنتخب المغربي وليد الركراكي لغة الوضوح والصلابة، وهو يستعد لملاقاة الكاميرون الجمعة على أرض ملعب الأمير مولاي عبد الله، في ربع نهائي كأس أمم إفريقيا – المغرب 2025، رافضاً أن يكون التاريخ عبئاً على الحاضر، أو أن تتحوّل «العقدة الكاميرونية» إلى شماعة تُعلّق عليها نتيجة الغد.
الرجل الذي بنى خطابه على الواقعية أكثر من الرومانسية، أعاد رسم سردية المواجهة، عندما قال في الندوة الصحافية التي تسبق المباراة الخميس 08 يناير 2026: «الماضي يبقى ماضياً… اليوم نحن منتخب قوي، والتاريخ لا يسجّل الأهداف». تصريح يحمل في طياته رغبة في تحرير الفريق من ذاكرة الهزيمة المريرة أمام «الأسود غير المروّضة» في نصف نهائي 1988، البطولة التي توّجت الكاميرون يومها على حساب المغرب بهدف نظيف، على الأرض ذاتها التي يلعب عليها الفريق الوطني الآن.
لكن الركراكي، ومن دون إنكار رمزية تلك الندوب القديمة، فضّل التذكير بمحطّة مغايرة تماماً في مسار العلاقات الكروية بين المنتخبين: 16 نوفمبر 2018، حين فكّ المغرب العقدة لأول مرة بانتصار واضح 2–0 في الدار البيضاء، بثنائية حملت توقيع حكيم زياش، في تصفيات كأس أمم إفريقيا 2019 بمصر. يستحضر المدرب تلك المباراة لا بوصفها «رد اعتبار»، بل بوصفها دليلاً على أن المغرب تجاوز مرحلة القلق النفسي أمام الكاميرون، ودخل منذ سنوات إلى منطقة الثقة الفنية والتماسك الجماعي.
ومع ذلك، لم يبدُ الركراكي في موقع المطمئن حدّ الاسترخاء. ففي قراءة باردة لواقع المنافس، قال: «الكاميرون في أفضل حال… هذه البطولة هي منفذهم الوحيد بعد ضياع التأهل إلى كأس العالم». هنا يتحدّث مدرب يعرف أن الخصم لا يلعب فقط بتكتيك المدرب دافيد باغو، أو بإلهام رئيس الاتحاد صامويل إيتو، بل أيضاً بحافز منتخبٍ جريحٍ يرى في المغرب فرصة لاستعادة دوره القاري، أو الدخول في نفق الانتظار لعامين أو ثلاثة قبل موعد كبير جديد.
وإذا كان الضغط الجماهيري عاملاً يراهن عليه المغاربة، فإن الركراكي يعيد التذكير بأن سيف الضغط «ذو حدين». قالها صراحة: «الضغط علينا كما عليهم… لا يمكن أن نخسر أمام جمهورنا، وهم لا يمكن أن يضيعوا فرصتهم الأخيرة». وهو بذلك يضع الفريق الوطني أمام مسؤوليته الكاملة: احترام الخصم، وعدم الاكتفاء بترسانة الأسماء التي صنعت ملحمة المركز الرابع في مونديال قطر 2022، بل تحويل تلك الجودة الفردية إلى فعل جماعي على أرض الملعب.
لا يُغفل الركراكي الإشادة بإيتو، الذي وصفه بـ«الرائع» لكونه يعرف كرة القدم من الداخل كلاعب أسطوري، ولا يقلّل من شأن مدرب الكاميرون باغو، الذي وصفه بـ«أحد أفضل المدربين في إفريقيا»، مشيراً إلى أن نجاحه في قيادة الفريق خلال فترة وجيزة يؤكّد قدرة الكاميرون على إعادة ترتيب أوراقها بسرعة.
ومع اقتراب صافرة البداية، يبدو المغرب أمام امتحان لا يقبل القسمة على اثنين. مباراة لن تُلعب فيها الحكايات القديمة، بل تُكتب فيها حكاية جديدة، بقلم الحاضر وجاهزية اللحظة، وبتفاصيل صغيرة قد تصنع فارق التأهل نحو نصف النهائي، أو تعيد طرح السؤال الكبير حول سقف الطموح، ومآلات الحلم الجماهيري المؤجّل منذ نصف قرن.
لكن ما هو ثابت حتى الآن في خطاب الركراكي، أن «أسود الأطلس» لا يدخلون الملعب بحثاً عن الثأر، بل بحثاً عن الحسم. لا عقدة بعد اليوم… بل مواجهة كبار، تُنتزع فيها الكأس بالنتيجة أولاً، وبالاحترام دائماً، وبقوة الحاضر قبل أي شيء آخر.

