– بقلم : فؤاد بوجبير، باحث في علوم التدبير
(متخصص في التدبير العمومي والسياسات العمومية)
*- مقدمة*
يشهد الحقل السياسي المغربي مرحلةً مفارِقة، تتكاثر فيها خطابات التحديث والإصلاح، في الوقت الذي يصعب فيه في الغالب ترجمتها إلى ممارسات مؤسساتية ملموسة وإلى أثر فعلي في الحياة اليومية للمواطنين. هذا التباعد بين الخطاب والممارسة لا يُعزى بالضرورة إلى سوء نية أو إلى عجز ظرفي، بل يعكس ظاهرة أعمق تتمثل في انفصال الفكر الفردي عن الفعل الجماعي، وهي الظاهرة التي عالجتها الفيلسوفة والمنظّرة السياسية الأمريكية، حنّة آرنت، معالجةً دقيقة في أعمالها الفكرية.
ويُعدّ المغرب، بتاريخِه السياسي الخاص، فضاءً تتجلى فيه بوضوح هذه التفرقة الآرنتية بين الفكر والفعل. فالأحزاب السياسية تُنتج برامج ورؤى واستراتيجيات، غير أن تنزيلها العملي يصطدم بواقع منظومة يصعب فيها استيعاب التعددية، رغم كونها، وفق آرنت، شرطًا جوهريًا للفعل السياسي. إذ يبقى الفكر حبيس الدوائر الضيقة للتقنوقراط أو النخب الحزبية، بينما يتشتت الفعل بفعل الصراعات الداخلية، ومنطق التموقع، والقصور البنيوي والاجتماعي.
ومع ذلك، فإن هذا التوتر ليس غائبًا عن وعي المؤسسات العليا في البلاد، إذ أكّد عليه جلالة الملك محمد السادس، نصره الله، في أكثر من مناسبة، حين شدّد على ضرورة إصلاح لا يقتصر على البنيات والهياكل فقط، بل يمتد ليشمل السلوكيات والعقليات.
وتلتقي هذه الرؤية الملكية الحكيمة بعمق مع فكر حنّة آرنت، التي ترى أن كل إصلاح حقيقي هو في جوهره تحوّل في الوعي، وليس مجرد قرار تقني أو إداري.
*أولًا : التفكير فرديًا والفعل جماعيًا – التوتر الآرنتي في صلب الحقل السياسي المغربي*
توضح حنّة آرنت أن التفكير فعل فردي بطبيعته، في حين أن الفعل السياسي لا يكون إلا جماعيًا وتعدديًا. وتجسّد الأحزاب السياسية المغربية هذا التوتر بجلاء.
فقد تأسست كبريات التشكيلات الحزبية، مثل حزب الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، و الحركة الشعبية، والتجمع الوطني للأحرار، والتقدم والاشتراكية، ولاحقًا حزب البام و حزب العدالة و التنمية، على أيدي نخب فكرية أنتجت تحليلات عميقة و مهمة، غالبًا ما تأثرت بالسياقات الدولية. غير أن هذه الثروة الفكرية اصطدمت ببنيات حزبية تتسم بالصراعات الداخلية، وهيمنة الزعامات الشخصية، وغياب النقاش الداخلي الحقيقي، فضلًا عن تحالفات حكومية تُبنى على منطق الضرورة العددية أكثر من الانسجام الإيديولوجي.
ويُعدّ نموذج الكتلة الديمقراطية في تسعينيات القرن الماضي مثالًا دالًا. فمن الناحية الفكرية، قدم هذا التكتل رؤية سياسية طموحة لمواكبة تجربة التناوب الديمقراطي. غير أن الفعل الحكومي، بعد الوصول إلى السلطة سنة 1998، اتسم بالتجزئة، نتيجة غياب فضاء جماعي للتفكير المشترك. فكان الفكر حاضرًا، وكان الفعل موجودًا، لكن دون ترابط عضوي بينهما.
كما تُجسّد كذلك الأغلبية الحكومية المنبثقة عن انتخابات 2021 المفارقة نفسها. فهي تتوفر نظريًا على شروط مريحة للفعل بفضل أغلبيتها العددية، غير أن اختلاف الثقافات السياسية لمكوناتها، وغياب النقاش البرنامجي الداخلي، وصعوبات التنسيق، كلها عوامل حدّت من أثر الفعل الجماعي.
وبلغة حنة آرنت :
” عندما يظلّ الفكر حبيس الأفراد ولا يتحول إلى تفكير مشترك، يفقد الفعل السياسي بعده التحويلي ويغدو مجرد ممارسة تدبيرية “.
*- ثانيًا : وهم المصلحة العامة – حين تحجب التجريدات السياسية التعددية الحقيقية*
تنتقد حنّة آرنت المفاهيم التجريدية من قبيل “الشعب” أو “الإنسان”، لأنها تُذيب التعدد الحقيقي للأفراد. وتجد هذه الأطروحة صداها بوضوح في الخطاب السياسي المغربي، حيث تُقدَّم فئة “المواطن المغربي” بوصفها كيانًا واحدًا متجانسًا، وهو ما ينعكس سلبًا على السياسات العمومية، بل وحتى على التصورات الإيديولوجية للأحزاب.
في حين أن الواقع الاجتماعي المغربي يتسم بتعدد عميق :
*/ تنوع مجالي بين المركز والأطراف،
*/ تنوع لغوي وثقافي،
*/ اختلاف الحاجيات بين الطبقات الوسطى الحضرية والسكان القرويين،
*/ تباين تطلعات الشباب مقارنة بالأجيال الأكبر سنًا.
وقد تجلّت هذه التعددية بوضوح في الحركات الاجتماعية ذات الطابع الجهوي، مثل احتجاجات جرادة، أو مطالب مناطق الأطلس المتوسط، وغيرها من الأمثلة التي تكشف أن الحديث عن مجتمع مغربي واحد متجانس هو تبسيط مخلّ لا يعكس تعقيد الواقع.
وترى آرنت أن هذا التجريد ليس مجرد خطأ نظري، بل هو آلية نفسية لأغلبية السياسيين لتفادي مواجهة تعقيدات الواقع.
وهكذا، يتصرف الفاعلون السياسيون أحيانًا كما لو أن المغرب كتلة موحدة، فتُصاغ سياسات عمومية موحّدة، بعيدة في كثير من الأحيان عن الخصوصيات المحلية.
و في هذا الصدد تؤكد آرنت أن التعددية هي شرط الفعل السياسي، وأن تجاهلها يعني الفعل في فراغ.
*- ثالثًا : إخفاق الإصلاحات – غياب تحوّل الوعي واستمرار العادات السياسية*
يتيح الفكر الآرنتي فهم سمة أخرى أساسية في النظام السياسي المغربي، وهي الفجوة بين الإصلاحات المعلنة والإصلاحات المعاشة.
فكثير من الإصلاحات جاءت مصاغة تقنيًا بشكل متقدم، سواء تعلق الأمر بالجهوية المتقدمة، أو إصلاح الإدارة، أو تعميم الحماية الاجتماعية، أو تحديث منظومة التعليم. غير أن تنزيلها العملي ظل هشًا بسبب استمرار السلوكيات والعقليات الإدارية التقليدية.
وتُعد تجربة اللامركزية التي انطلقت منذ بداية الألفية مثالًا واضحًا، فعلى الرغم من ترسانة قانونية متقدمة، فإن النزعة المركزية داخل الإدارة حدّت من الاستقلالية الفعلية للجهات. فتحولت الإصلاحات إلى نصوص قانونية أكثر منها ممارسات واقعية.
وتفسر آرنت هذا الوضع بغياب التحول في الوعي الأخلاقي والسياسي للفاعلين : الخوف من المخاطرة، تغليب المصلحة الفردية، إعادة إنتاج العادات البيروقراطية، والتهرب من المسؤولية الحقيقية.
وترى آرنت أن أي إصلاح لا ينجح ما لم يسبقه ما تسميه “ثورة داخلية”. وهو ما ينسجم تمامًا مع دعوة جلالة الملك محمد السادس، أيده الله، إلى إحداث تغيير ثقافي عميق يسبق تطوير القوانين والنصوص.
*- رابعًا : العجز عن الفعل الجماعي – قراءة آرنتية لتفكك المشهد الحزبي*
تشدد حنّة آرنت على أن الفعل السياسي لا يكون إلا جماعيًا، قائمًا على النقاش والتعاون وتحمل المسؤولية المشتركة.
غير أن المشهد السياسي المغربي يعاني من تفكك بنيوي واضح :
*/ انقسامات داخلية داخل الأحزاب،
*/ تحالفات تُبنى على منطق الحساب العددي،
*/ هيمنة صراعات الزعامة على النقاش الفكري،
*/ ضعف التنسيق بين القطاعات الحكومية.
وتُظهر التجارب الحكومية المتعاقبة، سواء في 2012 أو 2016 أو 2021، أن الحكومات غالبًا ما اشتغلت كمجموعة من القطاعات المستقلة، لا كفريق سياسي موحَّد تحكمه رؤية مشتركة.
وبتعبير حنة آرنت :
“حيث لا توجد تعددية حوارية حقيقية، لا يوجد فعل سياسي، بل مجرد سلوك مؤسساتي”.
*- خاتمة*
تكشف القراءة الآرنتية أن أزمة الفعل السياسي في المغرب ليست في جوهرها أزمة مؤسسات، بل أزمة أنثروبولوجية وثقافية عميقة. فالأحزاب تفكر غالبًا بشكل منفرد، لكنها تعجز عن الفعل الجماعي. وتتحدث باسم شعب مجرد، بينما تتجاهل تعددية حاجياته الواقعية. وتتبنى إصلاحات طموحة دون أن ترافقها تحولات في الوعي تضمن نجاحها. وتحكم عبر ائتلافات عددية، لا عبر تعاون سياسي حقيقي.
وتأتي الرؤية الحكيمة و المتبصرة لجلالة الملك محمد السادس، حفظه الله، لتؤكد حقيقة جوهرية مفادها أن السياسة الأصيلة تقتضي شجاعة في التفكير، وصدقًا في القول، وقدرة على الفعل المشترك.
إن رهان تحديث المغرب اليوم يتمثل في هذا الورش العميق :
مصالحة الفكر مع الفعل، وتغيير العقليات، وجعل التعددية رافعةً أساسية لبناء مستقبل سياسي أكثر نضجًا وانسجامًا.

