تتصاعد حدة الجدل السياسي والمؤسساتي في المغرب مع اقتراب الولاية الحكومية من نهايتها، على خلفية عرض ومناقشة حزمة من القوانين التي توصف بالاستراتيجية، همّت قطاعات حيوية كالتعليم العالي، ومهنة المحاماة، والدفع بعدم الدستورية، وتنظيم مهنة العدول. المعارضة البرلمانية اعتبرت أن توقيت ومنهجية إخراج هذه النصوص يثيران أكثر من علامة استفهام، محذرة من تمرير إصلاحات عميقة دون نقاش عمومي واسع أو توافق حقيقي مع المعنيين، في وقت تؤكد فيه الحكومة أن هذه القوانين ثمرة مسارات تشاورية طويلة وضرورية لاستكمال الإصلاحات الكبرى.
في هذا السياق، عبّر حزب التقدم والاشتراكية عن استغرابه من إحالة مشروع قانون التعليم العالي في نهاية الولاية، رغم أن القانون الإطار كان جاهزاً منذ سنة 2019. واعتبرت النائبة البرلمانية نادية التهامي أن هذا التأخر يعكس غياب رؤية سياسية واضحة لدى الحكومة، ويطرح تساؤلاً مباشراً حول حصيلة سنوات من التدبير، خاصة في قطاع يعاني من اختلالات بنيوية عميقة. وأكدت أن مشروعاً بهذا الحجم كان يفترض أن يخضع لنقاش عمومي واسع، يشارك فيه الطلبة والأساتذة والنقابات والفاعلون الاقتصاديون والاجتماعيون، بدل الاكتفاء بمقاربة تشريعية ضيقة.
وانتقدت التهامي ما وصفته بفشل الحكومة في معالجة أعطاب الجامعة المغربية، من قبيل التسرب الجامعي، وضعف التأطير، وهجرة الكفاءات، وهشاشة البحث العلمي، ومحدودية استقلالية الجامعة وحوكمتها. كما حذرت من أي مساس بمبدأ مجانية التعليم العالي العمومي، معتبرة أن ذلك يشكل مساساً بحق دستوري وتناقضاً مع مفهوم الدولة الاجتماعية. وخلصت إلى أن المشروع، في صيغته الحالية، لا يقدم رؤية استراتيجية منسجمة ولا يعالج إشكالات الحكامة والجودة وسوق الشغل، مستنكرة في الوقت ذاته رفض الحكومة لجميع التعديلات المقترحة.
وبموازاة ذلك، أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب رفضها الكامل للصيغة النهائية لمشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، معتبرة أنه يخل بالتفاهمات التي أفرزها مسار تفاوضي طويل مع وزارة العدل. وأكدت الجمعية أن النص المعروض لا يحترم مبدأ المقاربة التشاركية، ويتضمن مقتضيات تهدد استقلالية المهنة، رغم مكانتها الدستورية داخل منظومة العدالة. وذهبت إلى حد المطالبة بسحب المشروع وإعادة فتح النقاش بشأنه، حفاظاً على الثقة والحوار المؤسساتي.
من جهته، وصف عمر محمود بنجلون، عضو مكتب الجمعية، ما جرى بـ”الاغتيال الدستوري” لمهنة المحاماة، معتبراً أن طريقة الإحالة والتعامل مع المسودة شابها غياب الشفافية، وأن أي تشريع يمس رسالة الدفاع يجب أن يقوم على إشراك فعلي للمهنيين. وربط هذا المسار بما اعتبره توجهاً حكومياً تحكمياً، بعيداً عن الروح الدستورية التشاركية، مؤكداً أن رفض المنهج لا ينفصل عن رفض المضمون.
في مقابل هذه الانتقادات، تشبثت الحكومة بمواصلة المسار التشريعي لهذه القوانين، معتبرة أنها ضرورية لاستكمال البناء المؤسساتي وتعزيز الأمن القانوني. غير أن هذا الإصرار لم يقتصر على قانوني التعليم العالي والمحاماة، بل شمل أيضاً مشروع قانون الدفع بعدم الدستورية، الذي اعتبرت المجموعة النيابية للعدالة والتنمية أنه يتضمن تراجعات خطيرة. وقال رئيس المجموعة عبد الله بوانو إن الحكومة عوض معالجة الملاحظات الشكلية التي سجلتها المحكمة الدستورية سابقاً، اختارت تقديم مشروع جديد حُذفت منه مواد أساسية، ما يفرغ الآلية من جوهرها الحقوقي.
وأشارت برلمانية المجموعة ربيعة بوجة إلى أن مسار هذا القانون عرف تعثراً منذ 2016، وتكرر رفضه من طرف المحكمة الدستورية، ما يجعل النسخة الحالية، الثالثة من نوعها، محط تساؤل كبير. ورغم اعترافها بأهمية القانون في تمكين المواطن من آلية حماية الدستور، إلا أنها نبهت إلى إشكالات جوهرية تتعلق بفصل السلط، وتصفية الدفوع، وآجال التقاضي، ومآل الأحكام السابقة.
وفي ما يخص مشروع قانون تنظيم مهنة العدول رقم 16-20، دافع وزير العدل عبد اللطيف وهبي بقوة عن منهجية إعداد النص، مؤكداً أنه ثمرة مسار طويل من التشاور المؤسساتي، شمل الهيئة الوطنية للعدول، والأمانة العامة للحكومة، وقطاعات وزارية أخرى. وأوضح أن الوزارة عقدت عشرات الاجتماعات لمناقشة مختلف الجوانب، بما فيها وضعية المرأة العادلة والإشكالات المهنية، نافياً أي تفاوض خارج الإطار القانوني.
وشدد وهبي على أن النقطة الخلافية المتبقية تتعلق بمسألة المبالغ المالية المرتبطة ببعض الإجراءات، مؤكداً أن الحكومة متمسكة بمبدأ المجانية والمساواة بين المهن، وأن صرف الأموال العمومية لا يمكن أن يتم خارج إطار مؤسساتي واضح. كما أبرز أن إدماج المرأة في مهنة العدول يشكل تحولاً تاريخياً ينسجم مع التوجيهات الملكية وإصلاح منظومة العدالة.
بين تحذيرات المعارضة وإصرار الحكومة، يبدو المشهد التشريعي متوتراً، في ظل تخوف متزايد من تمرير قوانين استراتيجية في آخر الولاية دون توافق واسع. وهو ما يطرح سؤالاً مركزياً حول مدى قدرة هذه النصوص على تحقيق الإصلاح المنشود، أو أنها ستفتح فصولاً جديدة من الاحتقان المؤسساتي والمهني في المستقبل القريب.

