عبّر ممثلو فرق المعارضة في مجلس النواب عن تضامنهم مع المطالب الاجتماعية التي ترفعها الاحتجاجات الشبابية المتواصلة في عدد من المدن، محذرين في الوقت ذاته من الانزلاقات الأمنية وأعمال العنف التي رافقت بعض هذه التحركات، وداعين إلى فتح حوار جدي مع المحتجين والإنصات لمطالبهم، في سبيل الحفاظ على الاستقرار والسلم الاجتماعي.
جاء ذلك خلال اجتماع لجنة القطاعات الاجتماعية، الذي انعقد ليلة الأربعاء – الخميس، بحضور وزير الصحة خالد آيت الطالب، لمناقشة الوضع المتأزم الذي تعكسه الاحتجاجات الأخيرة، والتي انطلقت شرارتها الأولى من مدينة أكادير، قبل أن تتسع رقعتها لتشمل قضايا أوسع تتعلق بالصحة، والتعليم، والتشغيل، ومحاربة الفساد.
وقال رشيد الحموني، رئيس فريق التقدم والاشتراكية، إن “الاحتجاجات الأخيرة كانت ذات مطالب اجتماعية مشروعة، ومن حق أي مواطن، وفق ما يكفله الدستور، أن يطالب بتحسين ظروف الصحة والتعليم والشغل”، مضيفاً أن فريقه النيابي “يتضامن مع هذه المطالب”، ويدعو إلى التعاطي معها من منطلق الحوار والإنصات، لا من منطق القمع.
وأوضح الحموني أن تحميل المسؤولية لوزير الصحة وحده أمر غير منصف، باعتبار أن الوضع الحالي ناتج عن “اختلالات وتراكمات طويلة”، تتحمل فيها الحكومة بمختلف مكوناتها المسؤولية، مشيراً إلى أن التعامل الأمني مع الاحتجاجات “يضر بمصداقية المطالب، ويُفقدها مشروعيتها في أعين البعض”، داعياً إلى التهدئة وتفادي الانزلاق إلى دوائر العنف.
في المقابل، أدان الحموني بشدة أعمال العنف والتخريب التي طالت ممتلكات عمومية وخاصة، والاعتداءات على رجال الأمن، قائلاً إن “هذا المسار لا يخدم لا المحتجين ولا المواطنين ولا الحكومة، بل يهدد الاستقرار العام”، مضيفاً: “نحن مع الاحتجاج السلمي الحضاري، وعلينا جميعاً أن نعمل لتجنيب البلاد أي منزلق خطير”.
وانتقد رئيس فريق التقدم والاشتراكية غياب الانسجام داخل الأغلبية الحكومية، قائلاً إن “في حضور رئيس الحكومة تشيد الأغلبية بالمنجزات وتكرر عبارة (غير مسبوقة)، لكن عند حضور الوزير المعني تنهال عليه الانتقادات من الجميع، وهذا نوع من السكيزوفرينيا السياسية”، معبّراً عن خشيته من أن يبدو البرلمان وكأنه يتحرك فقط تحت الضغط.
من جهته، قال حسن لشكر، النائب البرلماني عن الفريق الاشتراكي، إن التطور الذي شهده قطاع الصحة في السنوات الأخيرة لا يمكن إنكاره، خاصة منذ جائحة “كوفيد-19”، التي خلقت وعياً جماعياً بضرورة النهوض بالمنظومة الصحية، غير أنه أقر بأن “عدداً من الإشكاليات العالقة لا تزال قائمة، وتؤثر على ولوج المواطنين إلى الخدمات الصحية الأساسية”.
وأشار لشكر إلى أن الميزانية المخصصة للقطاع تشهد ارتفاعاً ملحوظاً، وأن هناك توافقاً سياسياً حول أولويته، إلا أن “العرض الذي قدمه وزير الصحة لم يتضمن إجراءات استعجالية من شأنها أن تُحدث فرقاً على المدى القريب”، داعياً إلى الإسراع في اتخاذ قرارات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
بدورها، اعتبرت النائبة فدوى محسن عن الفريق الحركي أن الاحتجاجات الجارية “ليست حدثاً معزولاً، بل تعبّر عن أزمة بنيوية عميقة في المنظومة الصحية”، مؤكدة أن الوضعية الحالية تعكس “لحظة دقيقة من الغليان الشعبي بسبب تراكم السياسات العمومية المتعثرة، وفشلها في رفع التحديات”.
وشددت محسن على أهمية صيانة السلم الاجتماعي، ورفض استغلال اللحظة لتأجيج مزيد من الاحتقان، داعية إلى “تسمية الأشياء بمسمياتها، وتشخيص مكامن الخلل، بدل الاكتفاء بردود فعل ظرفية”، معتبرة أن البرلمان لم يتوقف عن تنبيه الحكومة إلى هذه الأعطاب المزمنة.
وتأتي هذه التصريحات في ظل أجواء مشحونة تشهدها عدد من المدن المغربية، حيث يخرج مئات الشباب في وقفات احتجاجية يرفعون فيها شعارات تطالب بتحسين الخدمات الصحية والتعليمية، وتوفير فرص الشغل، في ظل ارتفاع منسوب التذمر الاجتماعي، وتسجيل عدد من حوادث التدخل الأمني والاعتقالات، ما زاد من تعقيد المشهد، وأثار ردود فعل متباينة داخل الأوساط السياسية والحقوقية.

