لم تكن مباراة المغرب وزامبيا مجرّد 90 دقيقة تُلعب فوق العشب، بل 90 دقيقة تفاوض فيها المغرب مع ذاته أولًا، ثم مع البطولة، ثم مع جمهورٍ لا يكتفي بأن يرى منتخبه يفوز، بل يريد أن يرى كيف يفوز. لذلك، لم تكن الثلاثية نظيفة فقط… كانت نبرة جديدة.
هذه المباراة دخلت الملعب متردّدة، محاطة بانتظارٍ طويلٍ وتأخيرٍ غير مبرر، كأنها كانت تختبر صبر المدرجات قبل أن تختبر أقدام اللاعبين. كانت تحمل في بدايتها احتمالًا واحدًا خطيرًا: أن تصبح ليلة أعصاب أخرى. لكن المغرب لم يمنحها هذا الترف.
في الدقيقة التاسعة، أيوب الكعبي لم يسجّل هدفًا بقدر ما وضع نقطة بداية جديدة في روح اللقاء. كانت المباراة يومها ما تزال صفحة بيضاء، فكتب عليها الكعبي أول سطر: لن ننتظر كثيرًا. ومن تلك اللحظة، لم يعد السؤال: هل سيفوز المغرب؟ بل: كم ستصمد المباراة أمام المغرب؟
في نصفها الأول، كانت المباراة تشبه طفلًا أفريقيًا يُحاول الوقوف بين عملاقين. زامبيا لم تكن ضعيفة، لكنها بدت أمام ضغط المغرب كمن يقرأ كتابًا مكتوبًا بلغة لا يفهم قواعدها. أما المغرب، فكان يقرأ المباراة كما يقرأ لاعبٌ مخضرم حركة الحارس قبل التسديد: دفعة واحدة، وبثقة من لا يريد أن يُعيد القراءة.
الهدف الثاني الذي حمل توقيع إبراهيم دياز في الدقيقة 27 لم يكن إضافة رقمية فقط، بل إضافة نفسية: المباراة بدأت تفهم الآن أن المغرب لا يريد إدارتها، بل امتلاكها. لم تعد الكرة مجرّد وسيلة لعب، بل أداة سيطرة، والرجل الذي يراوغ لا يراوغ الخصم فقط، بل يراوغ الاحتمالات.
وفي الشوط الثاني، حين اعتادت المباريات أن تعيد ترتيب أوراقها، لم تجد هذه المباراة أوراقًا تعيد ترتيبها. الهدف الثالث في الدقيقة 50 أعاد توقيع الكعبي، فشعرت المباراة بأنّها لم تعد تحتاج إلى وقتها الكامل كي تُكتب. اكتملت مبكرًا… ثم جلست تتأمل نفسها في ما تبقى من الدقائق، لا بندم، بل باعتراف ضمني: لقد كبرتُ أسرع مما كان يُتوقع مني.
الجمهور لم يكن ضيفًا على المباراة، بل جزءًا من نبضها. كان يرفع سقف المطالب لا ليُرهق المنتخب، بل ليُرهق التردد. وحين تجاوب المغرب مع هذا الضغط بالهدف المبكر، ردّت المباراة الجميل للمدرجات: ها أنا أستقيم في اتجاهكم.
هذه المباراة لم تكن لحظة تأهلٍ فقط، بل لحظة تعريفٍ أيضًا.
تعريفٌ يقول إن المغرب لم يفز لأنها ليلة سهلة، بل لأنها ليلة قررت أن لا تكون سهلة.
قررت أن تُولَد مغربية في التاسع من الدقيقة الأولى، وتكبُر مغربية في 27، وتكتمل مغربية في 50… ثم تبتسم لبقية وقتها بثقة من أدركت أن المباريات الجميلة لا تُقاس بطولها، بل بقدرتها على أن تترك أثرًا أطول منها.

