انتصار المنتخب المغربي لأقل من 17 سنة على كاليدونيا الجديدة بنتيجة 16–0 لم يكن مجرد فوز كروي، بل كان لحظة رمزية تختزل الكثير من المعاني النفسية والرياضية، وتفتح باب التأمل حول واقع التكوين الكروي في المغرب ومستقبل هذه الفئة الواعدة.
بعد هزيمتين متتاليتين أمام اليابان والبرتغال، بدا أن المنتخب المغربي يعيش واحدة من أكثر لحظاته صعوبة، لكن الأداء البطولي أمام كاليدونيا الجديدة كشف عن وجه آخر لأشبال الأطلس: فريق لم يستسلم للخيبة، بل قرر أن يرد داخل الملعب وبأقدام شابة متعطشة لإثبات الذات.
تصريحات المدرب نبيل باها عقب اللقاء لم تكن مجرد كلمات مجاملة، بل ترجمة لعمل ذهني عميق سبق المباراة. حين يتحدث المدرب عن “العزيمة” و“الإيمان بالقدرة على الفوز”، فهو يشير إلى جوهر البناء الرياضي الحقيقي: تكوين جيل يعرف كيف ينهض بعد السقوط.
هذه المباراة أثبتت أن كرة القدم ليست فقط تكتيكًا أو موهبة فردية، بل حالة ذهنية جماعية، استطاع فيها الطاقم التقني إعادة شحن اللاعبين، ودفعهم لتقديم عرض هجومي هو الأكبر في تاريخ المنتخب المغربي للفتيان.
لكن، وسط نشوة الفوز، لا يمكن تجاهل أن الفارق الكبير في المستوى بين المنتخبين لعب دورًا حاسمًا. كاليدونيا الجديدة لم تكن خصمًا قويًا، بل منتخبًا يفتقر للخبرة والمقومات البدنية والتكتيكية، وهو ما سمح للمغاربة بتسيّد اللقاء من بدايته إلى نهايته.
من هنا، لا يجب أن يُقرأ هذا الفوز كدليل قاطع على تفوق الأشبال عالميًا، بل كجرس إنذار إيجابي يدعو إلى تحويل الغضب من الخسائر السابقة إلى طاقة تطوير واستمرارية.
الأهم اليوم ليس الرقم القياسي، بل ما سيحدث بعده. كيف يمكن لهذا الجيل أن يتطور؟ وكيف يمكن للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم أن تستثمر هذا الفوز نفسياً ومعنوياً لبناء مشروع تكويني طويل الأمد؟
الفوز الكبير يعزز الثقة، لكن المرحلة القادمة تحتاج إلى الاستمرارية والانضباط، حتى لا يبقى هذا الانتصار مجرد فورة عابرة في سجل كرة القدم المغربية.
فوز أشبال الأطلس بــ16 هدفًا هو انفجار موهبة وإرادة أكثر منه نتيجة مباراة. إنه ردّ كروي على الإحباط، ورسالة بأن الجيل الجديد قادر على كتابة فصول جديدة من التميز إذا ما وجد الدعم والاستقرار.
ما تحقق في الدوحة لم يكن فقط مباراة في جدول المونديال، بل مشهدًا من مشاهد الإيمان بالذات المغربية، التي تعرف كيف تسقط، ثم تعود أقوى.

