Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

انحدار المرجعيات لدى المغاربة -2-

بعد أن تحدثنا في عدد أمس الأربعاء عن انحدار المرجعيات على المستوى السياسي، وقد انهارت المنظومات والسرديات الكبرى ولم تعد لنا شخصيات كارزمية يمكن أن تكون نموذجا للمواطنين، نتحدث اليوم عن التراجع والانحدار الذي عرفته المرجعيات الدينية بالمغرب. بداية لابد من التأكيد على أنه يوجد بالمجلس العلمي الأعلى علماء يتقنون كل فنون العلم، وهم “علماء” بخلاف ما قاله أحد المتنطعين من أصحاب “روتيني اليومي في التغذية” إنه لا يمكن أن يكون هناك عالم دين، والتحدي مطروح عليه بأن يفك بعض مستغلقات علم الأصول المبنية على المنطق الأرسطي قديما والرياضي حديثا.
كنا أمام مرجعيات دينية واضحة المعالم، تخرج للناس وتخاطبهم، فيكفي أن يذكر المغاربة أحاديث الشيخ المكي الناصري، رحمه الله، في تفسير القرآن الكريم، وركن المفتي لمحمد الداودي والغازي الحسيني والحسن بن الصديق، والفتوى ليست نافلة قول ولكنها ضرورة اجتماعية لا يمكن تجاوزها.
اليوم يوجد علماء من طينة كبيرة لكن منعزلون، وبما أن الطبيعة لا تقبل الفراغ في الفيزياء والفكر، فإن الفراغ الذي تركه العلماء الحقيقيون ملأه الدعاة والأدعياء في نفس الوقت، وقليل منهم من يستطيع تقديم العلوم كما هي وتبسيطها للناس، أما الباقي فكحاطب الليل يجمعون مع الحطب العقارب والأفاعي، ومنهم من يهيمن اليوم على منصات مواقع التواصل الاجتماعي.
انحدار خطير في هذا المجال في غياب المرجعيات المضبوطة، لأن الدعاة “إلى البلاء طبعا” يحطبون من كتب لا يفهمونها ومن محاضرات مبثوثة على الأنترنيت وهم لا يعلمون شيئا من قضايا الدين والدنيا، يفتون بغير علم ويخرجون الناس عن الطريق المستقيم بل حتى عن “الشريعة الأمية” ونقصد بها هنا الفهم الطبيعي للدين من قبل الناس التي لم تدرس.
لم يكن أحد يجرؤ على الفتوى لأن القضية تتعلق بعلم دقيق، وكان كل من يقترب من هذا المجال يجد من يتصدى له ليبين عواره وضعف علمه ومعلوماته.
قضايا الدين ليست قضايا متاحة لمن هب ودب، بالعكس هي من أعقد القضايا، لأن متعاطيها لا يعرف إن كان سيهدي الناس إلى سواء السبيل أو سيضلهم ضلالا بعيدا، فالكلمة التي تخرج من فم “الداعية” قد يتلقفها مئات الآلاف وقد تكون دعوة إبليس فبواسطتها ينحرف الناس عن الصراط المستقيم، وكثير من الدواعش والتكفيريين ليسوا سوى ثمرة لهذا الانزياح الخطير عن المرجعيات الحقيقية.
يعاب على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عدم امتلاكها القدرة على تسويق الفكر الإسلامي المغربي، ولا ننكر أنها تقوم بمجهود جبار في توثيق الاجتهاد الديني المغربي، لكن تنقصها لمسة التسويق مما يجعل عملها ضعيفا مقابل ما يتم الترويج له من قبل الباحثين عن البوز.
من غرائب الدنيا أن ينبري للحديث عن الدين من لا علم له، وهناك “تطرفات” في اتجاهات متعددة سواء في اتجاه الغلو الديني أو الغلو اللا ديني، بينما نحن في حاجة لمن ينبري دفاعا عن وسطية الإسلام لكن بعلم وعلماء لا بجهل ودعاة.

Exit mobile version