Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

برناديت شيراك …. بين قصرين

– عبد الرفيع حمضي

حين يرحل السياسيون الكبار، لا ترحل معهم فقط المناصب والقرارات والخطب، بل ترحل أيضاً صور وأماكن وذكريات ارتبطت بهم. ومع خبر وفاة برناديت شيراك عن ثلاثة وتسعين عاماً، وجدت نفسي أفكر في مكانين بقدرما أفكر في الشخص نفسه: قصر الإليزيه في باريس، وفندق «الغزالة الذهبية» في تارودانت.

الأول كان رمزاً لهيبة الجمهورية الفرنسية، والثاني كان رمزاً لجمال مغربي هادئ اختاره جاك وبرناديت شيراك ملاذاً بعيداً عن صخب السياسة. والمفارقة أن كليهما تغير. فالإليزيه لم يعد ذلك القصر الذي يفرض على ساكنيه المسافة نفسها بين الخاص والعام، والغزالة الذهبية لم تعد ذلك الفردوس الذي كان يستقبل الرؤساء والفنانين وكبار الضيوف من مختلف أنحاء العالم. بين القصرين تمتد حكاية برناديت شيراك، وتمتد معها حكاية زمن كامل لم يعد كما كان.

لم تكن برناديت شيراك مجرد زوجة للرئيس الفرنسي الراحل جاك شيراك. كانت سياسية بدورها، ومنتخبة محلية راكمت تجربة طويلة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود في منطقة الكوريز. وفي زمن كانت السياسة فيه ما تزال شديدة الذكورية، نجحت في فرض حضورها وبناء شخصيتها السياسية الخاصة.

ولعل أكثر ما كان يثير الانتباه في مسارها تلك الصورة التي التصقت بها لسنوات طويلة: امرأة منتخبة تجوب بلدات الكوريز على متن سيارة «بيجو 205» حمراء صغيرة. صورة تبدو بسيطة، لكنها تعكس علاقة مختلفة بالسياسة. سياسة تقوم على القرب من الناس أكثر مما تقوم على صناعة الصورة، وعلى العمل الميداني أكثر مما تقوم على إدارة الظهور الإعلامي.

ومع جاك شيراك، شكلت واحداً من آخر الثنائيات السياسية الكبرى في فرنسا. لم يكن الأمر يتعلق فقط بعلاقة زوجية، بل بثنائية ارتبطت في أذهان الفرنسيين بفترة كانت فيها الرئاسة ما تزال تحتفظ بشيء من وقارها التقليدي. كان شيراك، بالنسبة إلى كثيرين، من آخر كبار السياسيين الذين صعدوا درجات السلطة بصبر طويل، وكانت برناديت جزءاً من تلك الصورة.

بعد ذلك، تغيرت أشياء كثيرة. مع نيكولا ساركوزي دخلت الحياة الخاصة للرئيس إلى قلب المشهد الإعلامي. ومع فرانسوا هولاند أصبحت العلاقات العاطفية لرئيس الجمهورية موضوعاً دائماً للنقاش العمومي. أما مع إيمانويل ماكرون فقد استمر هذا التداخل بين الخاص والعام بأشكال جديدة. لا يتعلق الأمر هنا بإطلاق أحكام أخلاقية، وإنما بالإشارة إلى تحول عميق أصاب الحياة السياسية الفرنسية.

ففي زمن شيراك، كانت الأنظار تتجه أساساً إلى الدولة ومؤسساتها. أما اليوم فكثيراً ما تتجه إلى الأشخاص وحياتهم الخاصة. وكأن الرئاسة فقدت شيئاً من تلك الهيبة التي كانت تجعل المؤسسة أكبر من ساكنيها.

وكانت برناديت تمثل، بطريقتها الخاصة، جزءاً من تلك الهيبة. ليس فقط بصفتها سيدة أولى، بل أيضاً من خلال التزامها بقضايا إنسانية واجتماعية، خاصة عبر مبادرة «القطع الصفراء» التي ارتبط اسمها بها لسنوات طويلة.

أما بالنسبة للمغاربة، فثمة صورة أخرى لا تقل دلالة. صورة جاك وبرناديت شيراك وهما يعودان باستمرار إلى تارودانت. هناك، وسط بساتين النخيل ، وجدا مكاناً يختلف عن عالم السياسة. لم يكن فندق «الغزالة الذهبية» مجرد مؤسسة فندقية فاخرة، بل كان قطعة من الجمال المغربي الهادئ، ومكاناً يلتقي فيه سحر الطبيعة بذوق معماري وإنساني رفيع.

غير أن للرموز مصائرها أيضاً. فالغزالة الذهبية التي كانت يوماً ما عنواناً للأناقة المغربية ووجهة لكبار الشخصيات، أغلقت أبوابها منذ سنوات وأصبحت موضوع نزاعات قضائية معقدة، بعد أن كانت فضاءً يضج بالحياة والجمال. وكأن هذا المكان، بدوره، يلخص شيئاً من قصة زمن مضى.

رحلت برناديت شيراك، وما تزال أبواب الغزالة الذهبية مغلقة. وبين الإليزيه الذي تغير، والفندق الذي فقد بريقه، تبدو الحكاية أكبر من شخص وأكبر من مكان. إنها حكاية زمن كانت فيه الرموز السياسية تحاط بشيء من الوقار، وكانت الأمكنة الجميلة تحظى بما يكفي من العناية كي تستمر.

وبين ما يقال وما لا يقال، ربما لم يكن سر برناديت شيراك في أنها كانت زوجة رئيس للجمهورية، بل في أنها كانت تنتمي إلى زمن كان يعتقد أن الرموز، سواء كانت أشخاصاً أو مؤسسات أ مكنة، تستحق أن تصان .

Exit mobile version