لا يمكن قراءة خطوة نادي الرجاء الرياضي نحو التحول إلى شركة رياضية، دون استحضار سياق أوسع يشمل التحولات الكبرى التي يعرفها مشهد الرياضة المغربية، والتوجه المؤسسي العام نحو تحديث البنيات القانونية والمالية للأندية الوطنية. إنها لحظة مفصلية، لكنها ليست لحظة انبهار فقط، بل أيضًا لحظة تفكير في حدود النموذج، وجدوى تعميمه، وشروط إنجاحه.
لطالما ظلت الرياضة، وخصوصًا كرة القدم، في المغرب، تُدار وفق منطق شبه تطوعي، تتحكم فيه الجمعيات والهيئات المنتخبة، ويطغى عليه منطق الانتماء والرغبة في خدمة “اللون”، أكثر من منطق الجدوى الاقتصادية. غير أن هذا النموذج، رغم عاطفيته وجماهيريته، أثبت محدوديته في الاستجابة لمتطلبات التسيير العصري للأندية، سواء على مستوى الاستدامة المالية، أو جودة التكوين، أو القدرة على المنافسة قارّيًا ودوليًا.
التحول إلى شركة رياضية، كما ينص عليه القانون 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة، لم يكن خيارًا ترفيًا، بل صار ضرورة مؤسساتية لتأهيل الأندية المغربية حتى تدخل سوق الاستثمار الرياضي بثقة ووضوح، وتصبح فاعلاً اقتصاديًا حقيقيًا، قادرًا على خلق الثروة، وجذب الشراكات، وتدبير الموارد بكفاءة.
الرجاء.. بداية جديدة أم عبء مُضاعف؟
الرجاء، بما لها من رمزية تاريخية وجماهيرية، ليست مجرد نادٍ رياضي؛ إنها مؤسسة مجتمعية حاضرة في وجدان الملايين، داخل المغرب وخارجه. لذلك، فإن انتقالها إلى شركة رياضية ليس كأي انتقال، بل يمثل اختبارًا مزدوجًا: من جهة قدرة هذا النموذج على إنتاج التوازن بين الأداء المالي والتدبير الرياضي، ومن جهة ثانية الحفاظ على هوية النادي وارتباطه بجمهوره.
رأسمال قدره 250 مليون درهم، نصفه من مستثمر خارجي، لا يمكن اعتباره مجرد رقم؛ إنه تعبير عن ولوج نادٍ تقليدي إلى منطق السوق. لكن السوق، بخلاف المدرجات، لا يرحم. والمستثمر، بخلاف المُحب، يطلب عائدًا، ويحاسب على الأرقام، لا على المشاعر.
هنا تبرز الإشكالية الجوهرية: كيف نُفعّل منطق الحكامة الجيدة داخل نادي يُفترض أن يصبح شركة ربحية، دون أن نُقزّم تاريخه أو نصادر ذاكرته أو نُقصي جمهوره من المعادلة؟
في تحليل هذا التحول، لا بد من التوقف عند ثلاثة مستويات أساسية:
1. الإطار القانوني والمؤسساتي: صحيح أن القانون 30.09 رسم الخطوط العامة لإحداث الشركات الرياضية، لكنه لم يُجب بعد عن أسئلة دقيقة حول العلاقة بين الجمعية الأم والشركة، وكيفية توزيع الاختصاصات، وضمان التوازن في اتخاذ القرار، وتدبير الأرباح والخسائر.
2. الخبرة الاقتصادية في المجال الرياضي: كما أشار المحلل إدريس عبيس، لا تزال الخبرة الوطنية في الاقتصاد الرياضي محدودة، ما يُضعف القدرة على تقييم الأندية، وتحديد قيمتها السوقية، وتوفير حوكمة مالية شفافة وقابلة للمساءلة.
3. التمثيلية والديمقراطية: هل سيتم الحفاظ على دور المنخرطين؟ ما مدى إشراك الجمهور في القرارات الكبرى؟ وما ضمانات عدم تحول النادي إلى مجرد ذراع استثماري ينفصل تدريجًا عن قاعدته الجماهيرية.
لا شك أن ما قام به الرجاء يُعد خطوة جريئة، وربما ضرورية، في مسار تحديث كرة القدم الوطنية. لكن النجاح لا يُقاس فقط بفتح حسابات جديدة واستقطاب المستثمرين، بل بمدى قدرة هذا النموذج على تعزيز الاستقرار، والرفع من جودة الأداء، وتحقيق توازن بين المردودية الاقتصادية والمكانة الرمزية للنادي.
الرهان اليوم، إذًا، لا يتمثل فقط في “التحول إلى شركة”، بل في إنتاج نموذج مغربي أصيل للشركة الرياضية، يزاوج بين الرأسمال والروح، بين الاستثمار والانتماء، وبين الشفافية والمشاركة.
فإذا كان المغرب يطمح لنهضة كروية حقيقية، فإن مثل هذه الخطوات لا بد أن تكون مصحوبة برؤية واضحة، وتأطير قانوني دقيق، ونقاش عمومي مفتوح يضع الجماهير والفاعلين في قلب التحول، لا على هامشه.

