Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

تعاون استخباراتي مغربي إسباني لمواجهة الإرهاب

يعد التعاون الأمني والاستخباراتي بين المغرب وإسبانيا واحدا من أبرز النماذج التي تعكس وعي الجارتين بخطورة التحديات العابرة للحدود، خصوصا تلك المرتبطة بالإرهاب والتطرف السيبراني واستقطاب المتطرفين عبر شبكة الإنترنت. فالموقع الجغرافي الحساس للبلدين، على ضفتي مضيق جبل طارق، جعلهما في قلب معادلة معقدة تجمع بين تدفقات الهجرة غير النظامية والجريمة المنظمة والشبكات المتطرفة العابرة للحدود. هذا الواقع فرض حتمية تقوية التعاون الأمني والاستخباراتي، ليس فقط في تبادل المعلومات الميدانية بل أيضا في مواجهة التهديدات المستجدة التي انتقلت من الساحات التقليدية إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت الشبكات الإرهابية تستثمر بكثافة في أدوات التكنولوجيا للترويج لخطاب الكراهية وتجنيد العناصر الشابة.
و استطاع البلدان، عبر سنوات من العمل المشترك، بناء جسور ثقة قوية بين الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وهو ما مكن من إحباط مخططات إرهابية عدة كانت تستهدف استقرار الضفتين. وفي ظل التحولات العالمية، بات التحدي الأكبر هو مراقبة الفضاء الافتراضي الذي تحول إلى سوق مفتوح للأفكار المتطرفة، إذ يستعمله دعاة التطرف لتوزيع المحتويات المتشددة وتوجيه تعليمات سرية عبر تطبيقات مشفرة، كما يستغلونه لاستقطاب فئات هشة اجتماعيا أو نفسيا. أمام هذا التحدي، كان من الطبيعي أن يرفع المغرب وإسبانيا من منسوب التنسيق الاستخباراتي في المجال الرقمي، من خلال تتبع الحسابات المشبوهة، ورصد البصمات الإلكترونية، وتعقب مسارات التمويل غير المشروع.
و بفضل تجربة المغرب الغنية في محاربة التطرف الديني من خلال مقاربة شمولية تمزج بين الجانب الأمني والديني والاجتماعي، قدم لإسبانيا ولشركائه الأوروبيين تجربة نموذجية في مكافحة الإرهاب. وفي المقابل، تمتلك إسبانيا قدرات تقنية متقدمة في مجال تحليل البيانات الضخمة وتعقب الشبكات الرقمية، ما جعل التعاون بين الطرفين يتخذ صيغة تكاملية ناجعة. ومن خلال هذا التكامل، نجحت الفرق المشتركة في تفكيك خلايا نائمة على التراب الإسباني كانت على صلة وثيقة بخلايا تنشط في شمال المغرب، كما تمكنت من إحباط محاولات استقطاب شباب مغاربة وإسبان للالتحاق بمناطق النزاع في الشرق الأوسط.
هذا التعاون لا يقف عند حدود الجانب الأمني الصرف، بل يمتد إلى مجالات الوقاية والتوعية. فالمغرب، عبر مؤسساته الدينية الرسمية مثل معهد محمد السادس لتكوين الأئمة، يعزز خطابا دينيا معتدلا يتناقض مع الفكر المتطرف، في حين تساهم إسبانيا في دعم برامج الإدماج الاجتماعي والاقتصادي لفائدة المهاجرين الشباب، إدراكا منها أن التهميش قد يشكل أرضية خصبة لتغلغل خطاب التطرف. وتبرز هذه الجهود المشتركة كخطوة استراتيجية تهدف إلى معالجة جذور الظاهرة، بدل الاكتفاء بملاحقة نتائجها.
ويشكل التهديد السيبراني الذي لم يعد مقتصرا على الدعاية والتجنيد، بل امتد إلى مخاطر تنفيذ هجمات إلكترونية قد تستهدف بنى تحتية حيوية كالمطارات والموانئ والأنظمة البنكية. وهنا يتجلى دور التعاون المغربي–الإسباني في مجال الأمن السيبراني، حيث يتم تبادل الخبرات في تقنيات الحماية الإلكترونية وتعزيز القدرات البشرية عبر تدريبات مشتركة، وهو ما يجعل من الشراكة بين الرباط ومدريد أكثر من مجرد تعاون ثنائي، بل تجربة رائدة يمكن أن تلهم باقي دول المنطقة.
في ظل هذا السياق، يتضح أن الرهان المشترك بين المغرب وإسبانيا هو بناء جدار أمني صلب قادر على التصدي للموجة الجديدة من الإرهاب الرقمي، والتي لا تعترف بالحدود الجغرافية ولا تقف عند قيود تقليدية. وإذا كان العالم قد أدرك أن الإرهاب أصبح معولما، فإن التنسيق بين الدول بات ضرورة لا خيارا. وهنا يشكل المحور المغربي–الإسباني نموذجا واقعيا على أن الأمن الجماعي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر تبادل المعلومات في الوقت المناسب، والتعامل بجدية مع التهديدات الناشئة، سواء تعلق الأمر بخلايا ميدانية أو بشبكات افتراضية تعمل في الظل، حيث إن التعاون بين المخابرات المغربية والإسبانية لم يعد مجرد تنسيق أمني ظرفي، بل أصبح إطارا استراتيجيا يتطور باستمرار لمواجهة تحديات متجددة، وفي مقدمتها الإرهاب السيبراني. ومع استمرار التهديدات وتعدد أساليب المتطرفين، يظل هذا التعاون علامة مضيئة في مسار الشراكات الأمنية الدولية، ويؤكد أن حماية المجتمعات تتطلب رؤية شمولية تقاوم الفكر المتطرف من منابعه الأولى وتمنع انتشاره عبر العالم الرقمي.

Exit mobile version