سلّط تقرير حديث صادر عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الضوء على مجموعة من الاختلالات القانونية والمؤسساتية التي لا تزال تحدّ من فعالية جهود مكافحة الفساد في المغرب، رغم التقدم المسجل على مستوى وضع الأطر التشريعية والاستراتيجيات الوطنية.
وأشار التقرير إلى أن الإشكال الرئيسي لا يكمن في غياب القوانين، بل في وجود ثغرات قانونية واضحة تعيق تحقيق الأثر المطلوب، خصوصا في مجالات حيوية مثل تنظيم تضارب المصالح، وضبط العلاقة بين الفاعلين الاقتصاديين وصناع القرار، إضافة إلى غياب إطار قانوني يؤطر أنشطة جماعات الضغط.
ومن أبرز النقاط التي توقف عندها التقرير، غياب تشريع خاص ينظم “اللوبيينغ”، حيث لا تتوفر المملكة على منظومة قانونية واضحة تحدد كيفية اشتغال جماعات الضغط أو تفرض عليها قواعد للشفافية والإفصاح. هذا الفراغ القانوني يجعل العلاقة بين مراكز القرار وهذه الجماعات غير مؤطرة بشكل رسمي، ما يفتح المجال أمام ممارسات غير خاضعة للمراقبة أو المساءلة.
وأكد التقرير أن عدم الاعتراف القانوني بأنشطة الضغط يضعف من شفافية عملية صنع القرار، إذ تظل قنوات التأثير غير واضحة، كما تغيب آليات التتبع والتصريح بالمصالح، وهو ما قد يخلق بيئة ملائمة لتضارب المصالح أو التأثير غير المشروع على السياسات العمومية.
إلى جانب هذه الثغرات، أبرز التقرير إشكالية ضعف تنزيل القوانين على أرض الواقع، حيث تظهر فجوة ملحوظة بين قوة الإطار القانوني ومستوى تطبيقه الفعلي. ففي الوقت الذي يستوفي فيه المغرب نسبة مهمة من المعايير المرتبطة بتضارب المصالح من حيث النصوص، تبقى نسبة التنفيذ منخفضة بشكل لافت، ما يحدّ من فعالية هذه القوانين في الحد من الفساد.
وأوضح التقرير أن هذا الضعف في التطبيق يعكس تحديات مرتبطة بآليات المراقبة، ونجاعة المؤسسات المكلفة بالتنفيذ، فضلا عن محدودية تتبع مدى احترام القواعد القانونية. كما أن غياب أدوات فعالة لفرض الامتثال يعزز من استمرار بعض الممارسات التي تتعارض مع مبادئ النزاهة.
وفي السياق ذاته، أشار التقرير إلى أن منظومة الشفافية، رغم تطورها النسبي، لا تزال تعاني من نقائص، خاصة في ما يتعلق بإتاحة المعلومات بشكل استباقي. فغياب مبدأ “البيانات المفتوحة بشكل افتراضي” يحدّ من قدرة المواطنين والفاعلين على الوصول إلى المعلومات بسهولة، ما يقلص من فرص الرقابة المجتمعية ويضعف المساءلة.
كما نبه التقرير إلى أن العلاقة غير المؤطرة بين الفاعلين الاقتصاديين ومراكز القرار تظل من بين أبرز مكامن الضعف، إذ لا توجد قواعد واضحة تنظم التفاعل بين هذه الأطراف، سواء من حيث التصريح بالمصالح أو الكشف عن محاولات التأثير على السياسات. ويؤدي ذلك إلى ضبابية في مسار اتخاذ القرار، ويزيد من مخاطر تغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة.
ويخلص التقرير إلى أن معالجة هذه الاختلالات تتطلب إصلاحات قانونية عميقة، تركز على سد الثغرات القائمة، خاصة عبر سنّ تشريعات تنظم جماعات الضغط، وتعزيز آليات المراقبة، وضمان تطبيق صارم للقوانين. كما يشدد على ضرورة تقوية الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يساهم في بناء منظومة أكثر نجاعة في مكافحة الفساد وترسيخ النزاهة العامة.

