Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

تقرير رسمي يعري اختلالات برنامج تقليص الفوارق

كشف تقرير رسمي ليضع الأصبع على مكامن الخلل في أحد أكبر البرامج العمومية التي رُوّج لها كرافعة للعدالة المجالية. فقد كشف التقرير عن اختلالات عميقة شابت تنزيل “برنامج تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية”، وحرفته عن أهدافه المعلنة، سواء من حيث توجيه الميزانيات، أو طبيعة المشاريع المنجزة، أو الحكامة وآليات التنفيذ والتتبع.
وأبرز التقرير أن البرنامج، الذي انطلق سنة 2017 بغلاف مالي إجمالي ناهز 50 مليار درهم، عرف اختلالًا بنيويًا تمثل في هيمنة قطاع الطرق والمسالك على النصيب الأكبر من الاعتمادات المالية، إذ استحوذ وحده على حوالي 71 في المائة من الميزانية، مقابل حصص وُصفت بالضعيفة للقطاعات الاجتماعية الحيوية. فالصحة لم تتجاوز حصتها 3 في المائة، بينما نال الربط بالكهرباء 4 في المائة، والتعليم 10 في المائة، في حين خُصص لقطاع الماء نحو 12 في المائة فقط، رغم الدور المحوري لهذه المجالات في تحسين شروط العيش وتقليص الفوارق المجالية.
هذا التوزيع غير المتوازن للموارد المالية اعتُبر من قبل التقرير مناقضًا لجوهر البرنامج، الذي يفترض أن يجعل من التعليم والصحة والماء والكهرباء أولويات أساسية، لا مجرد مكملات ثانوية. ورغم أن الطرق تساهم في فك العزلة، فإن الاقتصار عليها دون تعزيز الخدمات الاجتماعية الأساسية يقلص من الأثر الحقيقي للتدخلات العمومية، ويحد من انعكاسها المباشر على حياة السكان.
وعلى مستوى الالتزامات المالية، سجل التقرير أن البرنامج تجاوز الإطار الزمني الذي حُدد له بين 2017 و2023، دون أن يتم استكمال جميع التعهدات. فإلى حدود متم 2023، بلغت الالتزامات المالية المصرح بها حوالي 45,57 مليار درهم، أي ما يعادل 94 في المائة من الغلاف الإجمالي، قبل أن ترتفع بشكل طفيف إلى 46,75 مليار درهم إلى غاية يونيو 2025. غير أن نسبة الأداء الفعلي ظلت في حدود 84 في المائة، رغم تسجيل نسبة التزام قاربت 98 في المائة، ما يعكس فجوة واضحة بين التعهد والتنفيذ.
كما أشار التقرير إلى أن عددًا من الشركاء المؤسساتيين لم يفوا بكامل التزاماتهم المالية، من ضمنهم صندوق التنمية القروية، وقطاعات حكومية ومجالس جهوية، وهو ما تم تبريره بعدم توفر الموارد المالية الكافية. في المقابل، التزمت بعض القطاعات بتعهداتها كاملة، غير أن ذلك لم يكن كافيًا لتدارك الاختلال العام الذي طبع تمويل البرنامج.
وبخصوص إنجاز المشاريع، التي يناهز عددها 11 ألف مشروع موزعة على مختلف جهات المملكة، فقد بلغت نسبة الإنجاز الإجمالية حوالي 82 في المائة إلى حدود يونيو 2025، مع إنجاز قرابة 9 آلاف مشروع بشكل كامل، مقابل استمرار تعثر عدد مهم من المشاريع الأخرى. غير أن الإشكال، بحسب التقرير، لا يكمن فقط في نسب الإنجاز، بل في طبيعة هذه المشاريع وجدواها.
وفي هذا السياق، وُجهت انتقادات شديدة لإسناد إنجاز عدد كبير من المشاريع لجهات لا تتوفر على الكفاءة التدبيرية والتقنية اللازمة، دون مراعاة معايير الخبرة أو الموارد البشرية أو القدرة على التتبع والمراقبة. وقد أشرفت العمالات والأقاليم ومجالس الجهات على ما يفوق 70 في المائة من المشاريع، ما أسفر عن تأخر في الإنجاز وضعف في نسب التنفيذ، خاصة في المشاريع المعقدة.
وسجل التقرير كذلك ضعف جودة الدراسات التقنية أو غيابها في بعض الحالات، ما أدى إلى تقديرات غير دقيقة للكلفة، وتوسيع غير مبرر للأشغال، وتعثر عدد من المشاريع، فضلًا عن الشروع في تنفيذ أخرى دون تسوية وضعيتها العقارية أو استكمال التراخيص القانونية، وهو ما تسبب في توقف الأشغال أو تجميدها.
ومن أبرز الملاحظات التي أثارها التقرير، هي تركيز البرنامج على مشاريع الصيانة وإعادة التأهيل بدل إحداث منشآت جديدة. فرغم الخطاب الرسمي الذي يوحي بتوسيع العرض الصحي والتعليمي وتحسين البنيات الأساسية، فإن الواقع أبان أن أغلب التدخلات لم تتجاوز منطق “البريكولاج”، وهو ما لا ينسجم مع الأهداف الاستراتيجية للبرنامج القائمة على إحداث تغيير هيكلي ومستدام.
وحتى المنشآت الجديدة التي أُنجزت لم تسلم من الانتقادات، إذ تبين أن نحو 8 في المائة من المشاريع المكتملة غير مستغلة، بسبب غياب الموارد البشرية أو التجهيزات الضرورية، من بينها عشرات البنيات الصحية والتعليمية. كما سُجل غياب تصور واضح بشأن الجهة المكلفة بتدبير وصيانة هذه المنشآت، ما يهدد استدامتها وفعاليتها على المدى المتوسط والبعيد.
وخلص التقرير إلى أن أثر البرنامج في فك العزلة كان أوضح في الجماعات التي لا تعاني أصلًا من حدة هذا المشكل، في حين استفادت الجماعات الأكثر هشاشة بشكل أقل، ما يطرح علامات استفهام حول معايير الاستهداف. كما انتقد ضعف حكامة البرنامج، وغياب آليات ناجعة لقياس الأثر وتتبع التوصيات، إلى جانب محدودية الالتقائية بين المتدخلين، داعيًا إلى تصحيح الأعطاب وإعادة توجيه السياسات العمومية بما يخدم فعلًا العدالة المجالية.

Exit mobile version