كتب المنتخب المغربي فصلاً جديدًا في تاريخه القاري، عندما ثأر من نظيره الكاميروني بعد انتظار دام 38 عامًا، وبلغ نصف نهائي كأس الأمم الإفريقية لكرة القدم، عقب فوزه المستحق بهدفين دون رد، مساء الجمعة، على أرضية ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط، وأمام 64 ألفًا و178 متفرجًا، في واحدة من أكثر ليالي البطولة كثافةً من حيث الأداء والرمزية.
وسجّل إبراهيم دياز (26) وإسماعيل الصيباري (74) هدفي “أسود الأطلس”، ليعيد المنتخب المغربي الاعتبار لإقصائه المؤلم أمام “الأسود غير المروّضة” في نصف نهائي نسخة 1988 التي احتضنتها المملكة، ويؤكد في الآن ذاته طموحه الجاد للتتويج بلقبه القاري الثاني بعد إنجاز 1976.
بهذا الانتصار، ضرب المغرب موعدًا في نصف النهائي، الأربعاء المقبل، على الملعب ذاته، مع الفائز من مواجهة الجزائر ونيجيريا، المرتقبة السبت بمراكش، في حين كانت السنغال قد سبقت الجميع إلى المربع الذهبي عقب فوزها على مالي.
سيطرة مغربية وحسم بالكرات الثابتة
دخل المنتخب المغربي المباراة بثقة واضحة، وفرض إيقاعه منذ الدقائق الأولى، معتمدًا على ضغط عالٍ وانتشار منضبط في مختلف الخطوط. هذا التفوق تُوّج بهدف أول وقّعه دياز، الذي عزز صدارته لترتيب الهدافين برصيد خمسة أهداف، بعدما تابع كرة رأسية لأيوب الكعبي إثر ركنية نفذها القائد أشرف حكيمي، وأسكنها الشباك من مسافة قريبة.
ورغم محاولات الكاميرون العودة في الشوط الثاني، فإنها اصطدمت بدفاع مغربي منظم وحارس مرمى هادئ، ياسين بونو، لم يُختبر فعليًا طيلة أطوار اللقاء. ومع استمرار السيطرة، وجّه إسماعيل الصيباري الضربة القاضية، حين استغل كرة من ركلة حرة جانبية نفذها عبد الصمد الزلزولي، روّضها بيسراه وسددها بقوة في مرمى الحارس ديفيس إيباسي.
الصيباري: أظهرنا قوتنا
وقال إسماعيل الصيباري، الذي اختير أفضل لاعب في المباراة:
“كانت مواجهة قوية، لكننا كنا منظمين دفاعيًا وخلقنا فرصنا وسجلنا هدفين. لدينا مجموعة متماسكة ونقاتل من أجل الفوز بهذه الكأس. الآن بلغنا نصف النهائي وعلينا مواصلة الحلم حتى النهاية”.
وأضاف: “لم نغيّر أسلوب لعبنا مقارنة بمباراة تنزانيا، الفارق أننا اليوم دخلنا اللقاء بشكل أفضل وأظهرنا قوتنا منذ البداية”.
الركراكي: إنجاز… لكن الطريق لم ينتهِ
من جانبه، وصف الناخب الوطني وليد الركراكي التأهل بـ“الإنجاز التاريخي”، مشددًا في الوقت ذاته على ضرورة التحلي بالتواضع.
وقال: “لم يشاهد المغاربة منتخبهم في نصف النهائي منذ 22 عامًا. اللاعبون يستحقون ذلك، لكن علينا أن نبقي أقدامنا على الأرض وأن نجعل هذا الإنجاز أكثر تاريخية”.
وأشاد الركراكي بنجمه إبراهيم دياز، معتبرًا إياه العامل الحاسم في مشوار المنتخب، مضيفًا: “ركضه وقتاله اليوم بعثا رسالة قوية لبقية اللاعبين”.
أرقام ودلالات
يُعد هذا الفوز الأول للمغرب على الكاميرون في كأس الأمم الإفريقية بعد أربع مواجهات سابقة، خسر اثنتين منها وتعادل في واحدة، كما أنه الانتصار الثاني فقط في تاريخ المواجهات بين المنتخبين عبر 13 مباراة.
كما يُسجل المغرب حضوره الثاني في نصف النهائي بنظام الإقصاء المباشر، بعد نسخة 2004، علمًا أن تتويجه الوحيد عام 1976 جاء بنظام المجموعات.
الكاميرون تُقرّ بالتفوق المغربي
واعترف مدرب الكاميرون دافيد باغو بأفضلية المنتخب المغربي، قائلًا: “واجهنا منتخبًا قويًا قصّ أجنحتنا. خلقوا لنا مشاكل كثيرة، واستقبلنا هدفين من كرات ثابتة. حاولنا العودة، لكنهم كانوا الأفضل”.
مشهد مفتوح على التاريخ
بانتصاره على أحد عمالقة القارة، يواصل المنتخب المغربي مسيرته بثبات في بطولة تُقام على أرضه ووسط جماهيره، واضعًا نصب عينيه هدفًا واضحًا: تحويل هذا التأهل إلى محطة في طريق المجد، لا مجرد إنجاز عابر.
نصف النهائي بات حقيقة… والحلم المغربي، أكثر من أي وقت مضى، صار مشروعًا قابلًا للتحقق.

