يتجه مجلس الأمن الدولي خلال شهر أكتوبر الجاري إلى إعادة تحريك النقاش حول قضية الصحراء المغربية، عبر برمجة ثلاث جلسات مغلقة، باقتراح من روسيا التي تتولى الرئاسة الدورية للمجلس. وتأتي هذه الاجتماعات في سياق دبلوماسي متوتر تتقاطع فيه المواقف بين دعم متزايد لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، وإصرار جبهة “البوليساريو” والجزائر على خيار الانفصال.
وفق البرنامج الشهري الصادر عن رئاسة المجلس، ستُعقد الجلسة الأولى يوم 8 أكتوبر، حيث سيقدم المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء، ستيفان دي ميستورا، إحاطة مفصلة حول جولاته الأخيرة مع الأطراف المعنية، من بينها المغرب، الجزائر، موريتانيا، وجبهة البوليساريو.
ومن المنتظر أن يعرض دي ميستورا أمام الأعضاء خلاصات اتصالاته مع العواصم المعنية، ورؤيته لإحياء العملية السياسية المتوقفة منذ عدة أشهر، في ظل تباعد المواقف وغياب أي أرضية مشتركة للحوار المباشر، أما الجلسة الثانية، المقررة في 10 أكتوبر، فستخصص لعرض تقرير تقني يقدمه الروسي ألكسندر إيفانكو، رئيس بعثة الأمم المتحدة في الصحراء (المينورسو)، حول الوضع الميداني والتحديات الأمنية واللوجيستية التي تواجه البعثة.
ومن المرتقب أن يتضمن التقرير معطيات محدثة حول خروقات وقف إطلاق النار في المنطقة العازلة، والقيود المفروضة على تحركات البعثة في بعض المناطق.
وسيُختتم الشهر بــ جلسة ثالثة يوم 30 أكتوبر، سيصوّت خلالها المجلس على قرار تجديد ولاية بعثة المينورسو، وسط ترجيحات قوية بأن يتم تقليص الولاية إلى ستة أشهر فقط بدل سنة، في خطوة تهدف إلى إبقاء الملف حاضراً بشكل دوري على طاولة مجلس الأمن وممارسة ضغط دبلوماسي متواصل على جميع الأطراف.
و تُعتبر بعثة المينورسو، التي أنشئت سنة 1991 بقرار من مجلس الأمن رقم 690، إحدى أقدم البعثات الأممية النشطة في القارة الإفريقية. وقد كان هدفها الأساسي تنظيم استفتاء لتقرير المصير، غير أن المشروع تعثّر منذ سنوات، بعدما تبين استحالة تنفيذه بسبب الخلافات حول لوائح الناخبين وتعريف هوية “الصحراويين” المعنيين بالتصويت.
ومنذ ذلك الحين، اقتصر دور البعثة على مراقبة وقف إطلاق النار بين الجيش المغربي ومقاتلي البوليساريو، إلى جانب مهام لوجيستية محدودة. ورغم تجديد ولايتها سنوياً، تواجه المينورسو انتقادات متكررة لضعف فعاليتها وغياب أي تأثير ملموس في الدفع نحو حل سياسي دائم.
وفي حال قرر مجلس الأمن تقليص ولايتها إلى ستة أشهر، فسيكون ذلك مؤشراً على رغبة الدول الكبرى في تحريك الجمود الذي يطبع مسار التسوية منذ سنوات.
على الصعيد الدبلوماسي، تواصل المملكة المغربية تعزيز موقعها داخل مجلس الأمن وخارجه، فالولايات المتحدة ما زالت تثبت اعترافها بسيادة المغرب على الصحراء، وهو الموقف الذي أقرّته إدارة الرئيس جو بايدن واستمرّت في تبنيه ضمن سياستها الإقليمية في شمال إفريقيا.
كما عبّرت المملكة المتحدة في يونيو الماضي عن دعمها الصريح لمقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب سنة 2007، معتبرة أنه “حل جاد وواقعي وذو مصداقية”، أما فرنسا وإسبانيا، فجدّدتا موقفيهما الداعمَين للمقترح المغربي باعتباره الأساس الأكثر واقعية لإنهاء النزاع.
هذه المواقف المتطابقة للدول الغربية الكبرى جعلت المغرب في موقع تفاوضي مريح داخل أروقة الأمم المتحدة، في مقابل عزلة متزايدة لجبهة البوليساريو التي تواصل الاعتماد على دعم الجزائر.
في المقابل، تحاول الجزائر الدفع نحو إعادة إدراج خيار “الاستفتاء” ضمن النقاش الأممي، معتبرة أن أي حل لا يتضمنه “غير مقبول”، وتواصل الدبلوماسية الجزائرية، بدعم من موسكو وبعض الدول الإفريقية، السعي إلى تعديل مشروع القرار الأممي المرتقب، لإدراج إشارات إلى “حق تقرير المصير” بصيغته التقليدية، غير أن هذه الجهود تواجه رفضاً من الأغلبية داخل المجلس، خصوصاً من واشنطن وباريس ولندن، كما تشتكي جبهة البوليساريو من “تجاهل الأمم المتحدة لواقع التصعيد الميداني” في المنطقة العازلة، وتتهم المغرب بـ”انتهاك وقف إطلاق النار”، في حين يؤكد الجانب المغربي أن ما يسمى بـ”مناطق محررة” هي مجرد دعاية سياسية لا أساس لها في الميدان، و كل الأنظار تتجه الآن إلى جلسة التصويت في 30 أكتوبر، والتي ستكشف إلى أي مدى استطاعت الأطراف الفاعلة داخل مجلس الأمن بلورة توافق حول الصيغة الجديدة لتفويض المينورسو.
فقرار التمديد القصير إن تمّ، سيعني عملياً أن المجتمع الدولي يريد زيادة وتيرة المراقبة والتقييم، وفتح الباب أمام مراجعة أعمق لمهام البعثة وربما لمسار التفاوض برمّته.
في المقابل، يرى مراقبون أن استمرار الخلاف بين المغرب والجزائر حول طبيعة الحل، وغياب إرادة سياسية حقيقية من جبهة البوليساريو، قد يجعلان من هذه الجلسات مجرد محطة إضافية في مسار طويل لم يفضِ بعد إلى تسوية نهائية، لكن المؤكد أن أكتوبر 2025 سيكون شهراً حاسماً في رسم معالم المرحلة المقبلة من قضية الصحراء المغربية، بين ضغط أممي متزايد، ودعم دولي متنامٍ للمقترح المغربي كحل واقعي ونهائي للنزاع.
ثلاث جلسات مغلقة لمناقشة قضية الصحراء المغربية بمجلس الأمن

