قدّم المؤشر العربي 2024/2025، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، قراءة تعكس تراجعاً نسبياً في تقييم الرأي العام العربي لأداء الحكومات ومؤسسات الدولة، في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية، وتنامي الهواجس السياسية والأمنية، وتراجع منسوب الثقة في قدرة الدولة على الاستجابة لتطلعات مواطنيها.
وأظهرت نتائج الاستطلاع، الذي شمل بلداناً موزعة على أقاليم جغرافية مختلفة، أن الغالبية العظمى من المواطنين العرب تقيم الأوضاع الاقتصادية بسلبية واضحة، حيث عبّرت شرائح واسعة من المستجوبين عن قلقها إزاء ارتفاع البطالة، وتآكل القدرة الشرائية، وغلاء المعيشة، وضعف الفرص الاقتصادية، وهي عوامل رسّخت نفسها بوصفها الهاجس الأول اليومي لدى المجتمعات العربية.
وضمن تصنيف الأقاليم، يندرج المغرب في إقليم المغرب العربي، الذي أظهر أن نحو ثلث سكانه يفكرون في الهجرة، مدفوعين في الغالب بعوامل اقتصادية، بحثاً عن آفاق أكثر استقراراً وفرص عيش أفضل.
ورغم أن 59% من المستجوبين في الإقليم يرون أن بلدانهم تسير في “الاتجاه الصحيح”، إلا أن هذا التقييم يرتبط أساساً، بحسب التقرير، بعنصري الأمن والأمان والحكم الرشيد، فيما يظل تقييم المسار الاقتصادي العام مائلاً نحو السلبية، إذ يرى جزء كبير من الرأي العام أن الأمور تسير في الاتجاه الخاطئ لأسباب اقتصادية بالدرجة الأولى.
أما على الصعيد السياسي، فرغم أن 55% من الرأي العام العربي يقيم الوضع السياسي بإيجابية نسبية، إلا أن التقييم في المغرب العربي يبدو أكثر تبايناً وأقل رضا مقارنة بدول الخليج، حيث تُسجّل دول الخليج معدلات أعلى من الثقة والرضا، بينما يُرجِع الرافضون للمسار الحالي في الإقليم العربي عموماً جزءاً من موقفهم إلى سوء الإدارة والسياسات العامة وضعف فعالية التدبير الحكومي.
وعلى مستوى أداء الحكومات، بيّن الاستطلاع أن المواطنين يرون أن الحكومات لا تبذل الجهود الكافية لمعالجة المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، ولا تنجح في تحقيق العدالة في توزيع الموارد أو الارتقاء بالخدمات الأساسية، وهو ما انعكس في مستويات متدنية من الرضا عن السياسات العمومية.
كما سجّل المؤشر تراجعاً لافتاً في الثقة بمؤسسات الدولة التنفيذية، لا سيما تلك المرتبطة بالتدبير اليومي للشأن العام، مقابل احتفاظ بعض المؤسسات السيادية أو الخدمية بدرجات متفاوتة من الثقة، وفقاً لخصوصيات كل سياق وطني، فيما تُظهر الصورة العامة أن الرأي العام يربط ضعف الأداء المؤسساتي بـغياب الشفافية، وانتشار الفساد الإداري والمالي، وضعف الفعالية في عدد من الدول العربية.
ويرسم المؤشر كذلك ملامح مزاج عربي عام يتسم بالتشاؤم والقلق، في ظل استمرار الأزمات الداخلية والصراعات الإقليمية، وتراجع الأمل في الإصلاح السياسي أو توسيع هامش المشاركة الشعبية، حيث ترى قطاعات واسعة أن آراءها لا تؤخذ في الحسبان عند صنع القرار، وأن القنوات الديمقراطية المتاحة محدودة التأثير.
ويربط التقرير بين تدهور المؤشرات الاقتصادية وتراجع الثقة السياسية من جهة، وبين ارتفاع مؤشرات القلق الاجتماعي من جهة ثانية، وفي مقدمتها الرغبة المتنامية في الهجرة بين فئات الشباب، الذين ينظرون إلى الخارج بوصفه أفقاً أفضل لتحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ويخلص المؤشر العربي، الذي يُنفّذ بانتظام منذ عام 2011 ويستند إلى آراء عشرات الآلاف من المواطنين العرب، إلى أن أزمة الثقة بين المواطن والدولة باتت السمة الأبرز في المرحلة الراهنة، وأن تجاوزها يبقى مرهوناً بإصلاحات عميقة تشمل:
-
تحسين الأداء الاقتصادي
-
تعزيز الحكامة الجيدة
-
توسيع المشاركة السياسية
-
والاستجابة العملية لمطالب العدالة الاجتماعية والكرامة
وهي عناصر يشدد التقرير على أنها لم تعد خياراً مؤجلاً، بل شرطاً لازماً لاستعادة الثقة وترميم العلاقة بين المواطن ومؤسسات الدولة في العالم العربي.

