دق حقوقيون ناقوس التنبيه بشأن بعض المظاهر التي ترافق الحملات الانتخابية في عدد من الشوارع والأحياء، معتبرين أن التنافس الانتخابي، رغم أهميته في ترسيخ المشاركة السياسية والتواصل المباشر مع المواطنين، لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر للفوضى أو الإضرار بالبيئة أو المساس بحقوق الفئات الهشة، وفي مقدمتها الأطفال.
وتثير الجولات الانتخابية التي تنظمها بعض الأحزاب والمرشحين ملاحظات متزايدة بسبب الانتشار المكثف للمنشورات والأوراق الدعائية في الشوارع والأرصفة، حيث ينتهي جزء منها مرمياً في الفضاء العام، بما يساهم في تكريس مظاهر التلوث البصري والنفايات الورقية. ويرى حقوقيون أن احترام البيئة والفضاء العام ينبغي أن يكون جزءاً من المسؤولية السياسية والأخلاقية للجهات المنظمة للحملات، خصوصاً أن الأحزاب تقدم برامج تتضمن في كثير من الأحيان وعوداً مرتبطة بالنظافة والبيئة وجودة الحياة.
ويعتبر هؤلاء أن المواطن الذي يستقبل مرشحاً يطلب صوته من حقه أيضاً أن يرى في سلوك الحملة نموذجاً لاحترام المدينة والحي والملك العمومي، بدل ترك الشوارع محملة بالمنشورات والملصقات بعد انتهاء الجولات. كما دعوا إلى اعتماد ممارسات أكثر تنظيماً واستدامة، سواء من خلال تقليص حجم المطبوعات أو تنظيم عمليات لجمعها بعد توزيعها.
غير أن الجانب الأكثر إثارة للقلق، وفق الحقوقيين، يتعلق بمشاركة الأطفال في بعض الجولات والأنشطة الانتخابية، خصوصاً عندما يتم استدعاؤهم للمشاركة في المسيرات الدعائية أو حمل صور وشعارات المرشحين، أو عندما تكون هذه المشاركة مرتبطة بمقابل مالي.
ويحذر الحقوقيون من أن تحويل الأطفال إلى جزء من الدعاية الانتخابية قد يطرح إشكالات حقوقية جدية، لأن الطفل يحتاج إلى الحماية من كل أشكال الاستغلال، ولا ينبغي أن يُستخدم حضوره لإضفاء طابع جماهيري على الأنشطة السياسية أو لخدمة صورة مرشح أو حزب.
ويؤكد الحقوقيون أن الحديث عن مشاركة الأطفال مقابل المال لا يعني توجيه اتهامات عامة إلى الأحزاب أو المرشحين، وإنما يستدعي التحقق من الوقائع، خاصة عندما يتعلق الأمر بادعاءات محددة يمكن إثباتها أو نفيها. وفي حال ثبوت وجود تشغيل أو استغلال للأطفال في أنشطة انتخابية، فإن الأمر يصبح موضوعاً يستوجب تدخل الجهات المختصة وترتيب المسؤوليات وفق القانون.
كما يلفت الحقوقيون الانتباه إلى أن المال لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لجلب المشاركين في الحملات الانتخابية، لأن ذلك قد يفرغ المشاركة السياسية من مضمونها ويحولها من فعل قائم على الاقتناع والاختيار إلى نشاط مرتبط بالمقابل المادي. ويشددون على ضرورة التمييز بين العمل الانتخابي المشروع وبين أي ممارسة قد تنطوي على استغلال اقتصادي أو اجتماعي للفئات المحتاجة.
وفي هذا السياق، يرى متابعون للشأن الحقوقي أن مسؤولية الأحزاب لا تقتصر على تقديم البرامج والشعارات، وإنما تشمل أيضاً طريقة ممارسة الحملة على أرض الواقع. فاحترام القانون، والبيئة، وكرامة المواطنين، وحقوق الأطفال، ينبغي أن تكون مبادئ حاضرة في كل نشاط انتخابي.
ودعا حقوقيون إلى تعزيز المراقبة المدنية والإعلامية لمظاهر الحملات الانتخابية في الفضاء العام، مع تشجيع المواطنين على التبليغ عن التجاوزات الموثقة عبر القنوات القانونية، بدل الاكتفاء بتداول الصور والمقاطع على مواقع التواصل الاجتماعي.
وبينما تظل الحملات الانتخابية حقاً أساسياً للأحزاب والمرشحين للتواصل مع الناخبين، فإن الحقوقيين يشددون على أن ممارسة هذا الحق يجب أن تتم بمسؤولية. فالانتخابات ليست مجرد سباق للوصول إلى صناديق الاقتراع، وإنما اختبار أيضاً لمدى احترام الفاعلين السياسيين للقواعد التي يريدون تطبيقها على المجتمع.
وفي نهاية المطاف، يقول الحقوقيون إن الشارع الانتخابي ينبغي أن يكون فضاءً للنقاش حول البرامج والحلول، لا مجالاً لتراكم النفايات أو استعراض الحشود أو إشراك الأطفال في أنشطة لا تخصهم. فاحترام حقوق الإنسان يبدأ، بالنسبة إليهم، من أبسط التفاصيل التي ترافق الممارسة السياسية اليومية.

