Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

حماة المال يطالبون بإحالة المفسدين على القضاء

أججت التحولات الاجتماعية والسياسية التي يعرفها المغرب خلال الأسابيع الأخيرة، مجددًا رفع مطلبُ محاربة الفساد كأحد أبرز الشعارات التي توحّد الشارع بمختلف فئاته، بعد موجة الاحتجاجات الشبابية التي شهدتها عدد من المدن، خاصة المناطق المهمشة التي تعاني من غياب التنمية وضعف البنيات التحتية. وفي الوقت الذي سارعت فيه النيابة العامة إلى التحرك لملاحقة المتورطين في أعمال التخريب التي رافقت بعض هذه الاحتجاجات، خرجت الجمعية المغربية لحماية المال العام لتُذكّر بأن محاربة الفساد لا تقلّ أهمية عن حفظ الأمن، بل هي في صميم تحقيق الاستقرار والسلم الاجتماعي.

ووجه رئيس الجمعية، محمد الغلوسي، رسالة قوية إلى السلطات القضائية والإدارية، داعيًا إلى تفعيل المتابعة القضائية ضد كل من ثبت تورطه في اختلاس المال العام، واستغلال النفوذ، وتبييض الأموال، وهي الجرائم التي يرى أنها تمسّ بشكل مباشر أسس الدولة العادلة وتضرب في عمق الثقة بين المواطن والمؤسسات. وأكد الغلوسي، في تدوينة له على صفحته الرسمية بموقع “فايسبوك”، أن “جرائم الفساد واختلاس المال العام ليست أقل خطورة من الجرائم التي تمس النظام العام، لأنها تُقوّض الثقة وتُجهض أحلام مجتمع بأكمله في التنمية والعدالة الاجتماعية”.

وأضاف أن “المرحلة التي نعيشها اليوم هي لحظة مفصلية في مسار البلاد، لحظة يحتاج فيها الناس إلى الأمل والثقة في المؤسسات، ولن يتحقق ذلك إلا من خلال محاكمة من سرقوا المال العام واستغلوا مواقع المسؤولية لتحقيق مصالحهم الشخصية ومصالح المقربين منهم، وتركوا المواطنين يواجهون التهميش والظلام”.

وللتدليل على عمق الأزمة، استحضر الغلوسي مثال مدينة آيت ورير بإقليم الحوز، التي شهدت أعمال تخريب محدودة أثناء الاحتجاجات الأخيرة، مشيرًا إلى أن من يمر عبر هذه المدينة “سيخالها خرجت للتو من حرب طاحنة”، في ظلّ ما تعانيه من هشاشة في البنيات التحتية وانتشار الأزبال والكلاب الضالة، وغياب قنوات الصرف الصحي، وارتفاع معدلات البطالة، وغياب أي أثر لمشاريع تنموية حقيقية. وأضاف الغلوسي أن سكان المدينة يتحدثون عن “الثروات الطائلة التي راكمها بعض المسؤولين المحليين الذين لم يكونوا يملكون شيئًا، لكنهم سرعان ما تسلقوا سلالم السلطة والنفوذ، فامتلكوا العقارات والأموال والممتلكات، بل إن بعضهم أصبح يملك استثمارات خارج المغرب”.

ورغم تأكيده على رفض أعمال العنف والتخريب التي صدرت عن بعض الشباب والقاصرين خلال الاحتجاجات، شدّد الغلوسي على ضرورة فهم السياق الاجتماعي لهذه التصرفات، قائلاً إن “من مارسوا العنف هم أبناء مدن وقرى مهمشة، تفتقد لأبسط شروط العيش الكريم، ولا يمكن فصل سلوكهم عن واقع الظلم والتفاوتات الصارخة”. وأضاف أن “النيابة العامة مطالبة اليوم بالتحرك بالقدر نفسه من الحزم ضد من مارسوا جرائم أخطر بكثير من التخريب، وهي جرائم نهب المال العام والاغتناء غير المشروع”.

في سياق متصل، شهدت قضية أخرى تفاعلاً واسعاً بعد إعلان وزارة الصحة والحماية الاجتماعية إحالة ملف وفيات مستشفى الحسن الثاني بأكادير على القضاء، وقرارها توقيف عدد من المسؤولين عن العمل مؤقتًا في انتظار نتائج التحقيقات القضائية والإدارية.
وأكدت الوزارة في بلاغ رسمي أن قرارها جاء “عقب استكمال التحقيقات التي باشرتها المفتشية العامة بشأن حالات الوفيات المسجلة بالمستشفى المذكور”، مضيفة أن التقرير المتعلق بالقضية أحيل على النيابة العامة المختصة، “حرصًا على ضمان الشفافية وصونًا لحقوق جميع الأطراف”.

وتابعت الوزارة أن “هذا القرار يأتي في إطار التزامها بمواصلة العمل من أجل تحسين جودة الخدمات الصحية في المستشفيات العمومية، في سياق ورش الإصلاح الشامل للمنظومة الصحية الوطنية”، مؤكدة أنها ستوافي الرأي العام بباقي تفاصيل الملف فور انتهاء المسطرة القضائية.

ويرى مراقبون أن هذا التحرك يعكس تزايد الضغط الشعبي والمؤسساتي لمحاربة الفساد وسوء التدبير في المرافق العمومية، خاصة في القطاعات الاجتماعية الحساسة مثل الصحة والتعليم. فبينما يطالب الرأي العام بالمحاسبة في ملف مستشفى أكادير، تتعالى الأصوات، مثل صوت الجمعية المغربية لحماية المال العام، للمطالبة بتوسيع دائرة المتابعة لتشمل كبار المسؤولين الذين تثبت التقارير تورطهم في اختلاسات أو سوء تدبير للمال العام.

الاحتجاجات الأخيرة، رغم طابعها الاجتماعي، أعادت إلى السطح مطلبًا جوهريًا يختزل أوجاع المغاربة: العدالة والمحاسبة. إذ لم يعد المواطن يقبل بأن تُوجّه العدالة فقط إلى صغار المتهمين، بينما يفلت من العقاب من تورطوا في نهب المال العام والتلاعب بمشاريع التنمية. وتكشف حالة الغضب التي تعمّ مدنًا مثل آيت ورير، وجرأة الأصوات الحقوقية في توجيه أصابع الاتهام للمسؤولين، أن المجتمع المغربي يعيش لحظة وعي جماعي جديدة، تدفع نحو تحميل المسؤولية وربطها بالمحاسبة الفعلية، لا بالشعارات.

ويؤكد متابعون أن الدولة مدعوة اليوم إلى استثمار هذه اللحظة عبر خطوات ملموسة تُعيد الثقة للمواطن، من خلال فتح الملفات الكبرى للفساد أمام القضاء، وإعطاء إشارات واضحة بأن لا أحد فوق القانون. فمتى ما شعر الناس بأن العدالة تطال الجميع بلا استثناء، ستنخفض منسوبات الغضب والاحتقان، وسينصرف الشباب نحو المشاركة بدل الاحتجاج.

لقد أظهرت الأحداث الأخيرة أن محاربة الفساد ليست مجرد شعار سياسي أو خطاب مناسباتي، بل هي مسألة وجودية تمسّ كيان الدولة واستقرارها. فكما يقول الغلوسي، “محاكمة لصوص المال العام ليست انتقامًا، بل هي شرط ضروري لبناء الثقة، وتحقيق الأمل في مغرب عادل يعيش فيه الجميع بكرامة”.

وفي انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات القضائية في أكادير، وما إذا كانت النيابة العامة ستتجاوب مع دعوات الجمعية المغربية لحماية المال العام، يبقى الشارع المغربي متيقظًا ومتشبثًا بمطلبه المركزي: لا تنمية دون عدالة، ولا عدالة دون محاسبة المفسدين.

Exit mobile version