Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

حين تصبح أزمة الساسة أخطر من أزمة السياسة

الهزيتي محمد انوار . خبير في التنمية الترابية و عضو المعهد الدولي للعلوم الادارية

ليست السياسة في المغرب هي التي فقدت معناها، بل إن جزءا من النخبة التي تمارسها هو الذي فقد القدرة على إقناع المجتمع بجدواها. فقبل أشهر قليلة من الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، يعود سؤال قديم بصيغة جديدة: هل يعيش المغرب أزمة أحزاب، أم أزمة ساسة؟ وهل أصبح العزوف عن السياسة تعبيرا عن رفض الديمقراطية، أم عن فقدان الثقة في من يمثلونها؟

لقد اعتاد الخطاب السياسي، كلما انخفضت نسب المشاركة أو تراجعت الثقة في المؤسسات المنتخبة، أن يحمل المواطن مسؤولية العزوف، أو أن يفسر الظاهرة بضعف الثقافة السياسية. غير أن علم السياسة يقدم تفسيرا مختلفا؛ فالثقة ليست معطىًسابقا على الممارسة الديمقراطية، بل هي نتيجة لها. وحين تفشل النخب في إنتاج سياسات ذات مصداقية، تتحول الانتخابات من لحظة للتنافس حول المشاريع إلى مجرد آلية لتجديد النخب نفسها، دون أن يشعر المواطن بأن شيئا تغير في حياته اليومية.

في الديمقراطيات المعاصرة، تقوم الأحزاب بوظيفة أساسية سماها عالم السياسة الأمريكي صامويل هنتنغتون “مأسسة المشاركة السياسية”، أي تحويل المطالب الاجتماعية إلى برامج وسياسات عمومية. أما حين تضعف هذه الوظيفة، فإن الحزب يفقد تدريجيا صفته كوسيط بين الدولة والمجتمع، ويتحول إلى مجرد آلة انتخابية موسمية. وهذا ما يفسر أن النقاش السياسي في المغرب أصبح يدور، في كثير من الأحيان، حول التحالفات، والاصطفافات، وإعادة توزيع المواقع، أكثر مما يدور حول الرؤى الاقتصادية أو الاجتماعية أو الثقافية.

لقد تغيرت طبيعة العمل الحزبي خلال العقدين الأخيرين. فبدل أن تكون الأحزاب مدارس لإنتاج القيادات، أصبحت في حالات عديدة فضاءات لإدارة الاستحقاقات الانتخابية. وبدل أن تتنافس على الأفكار، أصبحت تتنافس على استقطاب المنتخبين والأعيان والوجوه القادرة على ضمان المقاعد. والنتيجة هي انتقال السياسة من مجال إنتاج المشروع المجتمعي إلى مجال إدارة التوازنات الانتخابية.

ولا يتعلق الأمر هنا بحزب دون آخر، بل ببنية عامة مست مختلف مكونات المشهد الحزبي. فظاهرة الترحال السياسي، التي تتكرر مع اقتراب كل محطة انتخابية، لم تعد مجرد انتقال أفراد بين تنظيمات مختلفة، بل أصبحت مؤشرا على هشاشة الانتماء الحزبي نفسه. فعندما ينتقل المنتخب من حزب إلى آخر دون أن يغير قناعاته أو يشرح اختلافا في المرجعية أو البرنامج، يصبح الحزب إطارا انتخابيا أكثر منه إطارا فكريا. وهنا يفقد المواطن القدرة على التمييز بين البدائل السياسية، لأن الحدود الإيديولوجية تصبح ضبابية، بينما يطغى منطق المصالح الظرفية.

ولعل أخطر ما في هذه الأزمة أنها لم تعد أزمة تنظيمية فحسب، بل أصبحت أزمة رمزية أيضا. فقد تحدث عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو عن “الرأسمال الرمزي” باعتباره مصدر الشرعية والثقة. والسياسي لا يستمد سلطته من المنصب وحده، بل من الرصيد الأخلاقي والرمزي الذي يبنيه لدى المجتمع. وعندما تتآكل هذه الشرعية، تتحول السلطة الانتخابية إلى سلطة قانونية تفتقر إلى السند المجتمعي، فتظل المؤسسات قائمة، لكن الثقة التي تمنحها الحيوية تتراجع باستمرار.

ومن هذا المنطلق، فإن انخفاض الثقة في الأحزاب لا ينبغي أن يقرأ باعتباره رفضا للديمقراطية، وإنما باعتباره احتجاجا على كيفية ممارستها. فالمغاربة، شأنهم شأن مجتمعات كثيرة، لم يعودوا يطالبون فقط بإجراء انتخابات دورية، بل ينتظرون من المنتخب أن يكون صاحب رؤية، ومن الحزب أن يقدم حلولا قابلة للتنفيذ، ومن الخطاب السياسي أن يتجاوز الشعارات العامة إلى تقديم تعاقد واضح مع المواطنين.

ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن التحولات الاجتماعية التي يعرفها المغرب. فجيل جديد من الشباب يتابع السياسة عبر المنصات الرقمية أكثر مما يتابعها عبر التنظيمات الحزبية، ويقارن أداء المسؤولين بمعايير الكفاءة والشفافية أكثر مما يقارنه بالانتماءات الإيديولوجية. وفي المقابل، لا تزال بنية عدد من الأحزاب تتحرك بمنطق تنظيمي يعود إلى عقود مضت، حيث تغلب العلاقات الشخصية، وتتأخر آليات التداول الداخلي، ويظل تجديد النخب عملية بطيئة وانتقائية.

كما أن توسع أدوار الخبرة التقنية في تدبير السياسات العمومية جعل السياسي مطالبا اليوم بامتلاك معرفة تتجاوز الخطابة والقدرة على التعبئة. فصناعة القرار أصبحت مرتبطة بملفات معقدة تشمل الاقتصاد الرقمي، والتحول الطاقي، والذكاء الاصطناعي، والأمن الغذائي، والسياسات الاجتماعية، وهي قضايا لا يمكن تدبيرها بمنطق الوعود الانتخابية وحدها. ولذلك فإن الأزمة لم تعد فقط أزمة أخلاق سياسية، بل أصبحت أيضا أزمة كفاءة سياسية.

لكن اختزال المشهد في خطاب تشاؤمي سيكون بدوره قراءة ناقصة. فالمغرب راكم خلال العقود الأخيرة إصلاحات دستورية ومؤسساتية مهمة، ووسع مجال المشاركة السياسية، ورسخ قواعد التداول الانتخابي، غير أن هذه المكتسبات تحتاج اليوم إلى نخبة سياسية قادرة على تحويلها إلى ثقة مجتمعية. فالديمقراطية لا تنهار فقط عندما تغيب المؤسسات، وإنما أيضا عندما تبقى المؤسسات قائمة بينما يتراجع الإيمان بقدرتها على تمثيل المواطنين.

ومع اقتراب انتخابات 2026، يبدو أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عدد الأحزاب المتنافسة، ولا في طبيعة التحالفات المقبلة، بل في قدرة الطبقة السياسية على استعادة وظيفتها الأصلية باعتبارها وسيطا بين الدولة والمجتمع. فالسؤال الذي سيطرحه الناخب لن يكون: من سيربح الانتخابات؟ بل: من يستحق أن يمنح الثقة؟

إن السياسة، في جوهرها، ليست صراعا على السلطة، بل إدارة للمصلحة العامة. والساسة ليسوا مجرد فائزين في صناديق الاقتراع، بل حملة مشروع، وصناع أمل، ووسطاء بين تطلعات المجتمع وإمكانات الدولة. وعندما يغيب المشروع، وتتراجع الكفاءة، وتذوب الحدود بين البرامج، يصبح الاقتراع إجراء قانونيا أكثر منه لحظة ديمقراطية.

إن أزمة المغرب ليست في السياسة باعتبارها ضرورة لتنظيم المجتمع، وإنما في الحاجة إلى إعادة إنتاج رجل وامرأة سياسة قادرين على استعادة المعنى المفقود للعمل العام. فالمؤسسات يمكن إصلاحها بالقانون، أما الثقة فلا تبنى إلا بالممارسة، ولا تستعاد إلا عندما يشعر المواطن بأن السياسة عادت لتكون خدمة للصالح العام، لا مجرد منافسة على المواقع.

وربما لهذا السبب، فإن الرهان الحقيقي لانتخابات 2026 لن يكون تغيير الخريطة الحزبية، بل اختبار ما إذا كانت الحياة السياسية المغربية قادرة على إنتاج نخبة جديدة تؤمن بأن الشرعية لا تقاس فقط بعدد المقاعد، وإنما أيضا بقدرتها على بناء الثقة، وصناعة الأمل، وإقناع المغاربة بأن السياسة ما تزال تستحق أن تمارس.

 

 

Exit mobile version