في ملعب الرباط الأولمبي، مساء السبت، لا يُنتظر فقط أن تُلعب مباراة نهائية في كرة القدم النسوية، بل إن المشهد يُشبه لحظة مفصلية في إعادة رسم خرائط التفوق القاري، حيث تدخل سيدات المغرب برغبة جامحة في صناعة إنجاز غير مسبوق، يقف على الضفة الأخرى منه منتخب نيجيريا العتيد، بأرقامه الثقيلة وتاريخه الكاسح، بحثًا عن لقب عاشر.
ليست المواجهة مجرّد مباراة تُختتم بها نسخة جديدة من كأس الأمم الإفريقية للسيدات، بل هي تَصادم بين منطقين: أحدهما يُمثّل تقليد الهيمنة الذي كرّسته نيجيريا طيلة عقود، والآخر يُجسد الطموح المغربي المشروع في نقل كرة القدم النسوية من الظل إلى الضوء، مستندًا إلى مشروع نهوض متكامل بدأ يُثمر نتائج فعلية على الميدان.
لا يمكن فهم هذه اللحظة دون استحضار المسافة التي قطعتها كرة القدم النسوية المغربية. فقبل عام 2022، لم يكن للمنتخب المغربي أي حضور يُذكر في كبرى المسابقات القارية، وكانت المشاركات السابقة في 1998 و2000 أقرب إلى رحلات استكشافية من فرق مبتدئة.
لكن ما حدث في نسخة 2022، رغم الخسارة في النهائي أمام جنوب إفريقيا، كان نقطة تحوّل. المغربيات لم يكنّ فقط نداً قوياً، بل أظهرن قدرة على فرض الإيقاع وامتلاك الشخصية.
وهو ما رسّخ القناعة بأن المشروع الرياضي الذي أُطلق لتطوير كرة القدم النسوية في البلاد لم يكن مجرّد شعار، بل مسار واضح المعالم.
اليوم، تحت قيادة الإسباني خورخي فيلدا، المدرب الذي قاد منتخب بلاده إلى لقب كأس العالم 2023 قبل أن تُطيح به عاصفة قبلات روبياليس، تُعزّز المغربيات حضورهن على الساحة.
فيلدا جلب معه فلسفة تكتيكية متطورة، وحرص على تنمية عقلية الانتصار لدى لاعباته، وهو ما بدا جليًا في مواجهات غانا ومالي والسنغال، وصولاً إلى نصف النهائي الأخير الذي كُسب بعرق الجبين والإصرار.
في المقابل، تدافع سيدات نيجيريا عن إمبراطورية طويلة من الهيمنة. تسعة ألقاب من أصل 11 نسخة قبل 2022، ونسبة نجاح كاملة في النهائيات، تجعل من النسور مرشحات دائمات للذهب.
لكن في النسخة الماضية، كان المغرب هو من كسر هيبتهن وأخرجهن من نصف النهائي بركلات الترجيح، في لقاء حُفرت تفاصيله في ذاكرة الجانبين.
وتبدو نيجيريا في هذه النسخة بوجهين: الأول تقني ومنضبط، ظهر في مباراتي زامبيا وجنوب إفريقيا، حيث أظهرت الصلابة والخبرة، والثاني دفاعي قوي، بدليل أنها لم تتلق سوى هدف واحد في خمس مباريات.
لكن، في ذات الوقت، لا تبدو نيجيريا بالفريق المتكامل كما في سنوات سابقة، بل تعتمد أكثر على خبرة فردية، دون أن تقدم كرة جماعية مبهرة.
الدرس المغربي الأبرز في هذه البطولة هو القدرة على تجاوز الفكرة المسبقة القائلة إن نيجيريا “لا تُهزم”. فالتاريخ وحده لم يعد كافياً، خاصة أمام جيل مغربي يعجّ بالأسماء الواعدة، وبدعم جماهيري لا يُستهان به.
تصريحات اللاعبات المغربيات، من سناء المسودي إلى كنزة شابيل، تعكس ثقة عالية بالنفس، وإيماناً بقدرة هذا الجيل على قلب الصفحة القديمة وكتابة جديدة. وها هو فيلدا يرددها: “نملك كل ما يلزم للتتويج”.
فنيًا، تبدو المواجهة متكافئة من حيث الأرقام، إذ سجل الطرفان 11 هدفًا، لكن نيجيريا تتفوق دفاعيًا. أما من حيث الديناميكية والاندفاع، فالمغربيات أكثر طموحًا وأكثر رغبة في تثبيت الذات، ما قد يمنحهن أفضلية إذا تم استثمار الحضور الجماهيري والجانب الذهني بالشكل الأمثل.
الحسم قد يكون في التفاصيل: سرعة الارتداد، استغلال الكرات الثابتة، والحضور الذهني في اللحظات الحرجة. نيجيريا تعرف كيف تفوز، والمغرب يتعلّم كيف يكسر القاعدة.
هذا النهائي ليس اختباراً في كرة القدم فحسب، بل هو اختبار لمعادلة القوة في القارة. المغرب يقف على أعتاب لحظة رمزية يمكن أن تفتح الباب أمام مأسسة النهوض الرياضي النسوي عربياً وإفريقياً. أما نيجيريا، فهي تقاتل للحفاظ على مجد قديم، في وقت بدأت فيه المنافسة تُزاحمها بجدية.
فهل نشهد ولادة بطل جديد؟ أم تتكرر الحكاية القديمة بتتويج نيجيري جديد؟ الكرة على عتبة التاريخ، والرباط تنتظر من يخط أول السطور.

