Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

حين يفضح الدستور أعطاب السياسة: قراءة في لحظة التصحيح الدستوري

عبد الحي السملالي : استاذ باحث في،علوم الرياضيات

انطلاقاً من المقال الذي نشره الأستاذ فؤاد بوجبير بموقع (Achtari24) تحت عنوان: «حين يُنقِذ الدستور الديمقراطية من مُشرّعيها: المحكمة الدستورية في مواجهة انحراف المنهج السياسي»، تأتي هذه القراءة لتتجاوز حدود التحليل المباشر. إنها محاولة لاستثمار “اللحظة الدستورية” الراهنة من أجل إعادة التفكير في الأعطاب البنيوية التي تعتري الممارسة السياسية، والتوتر الصامت بين سمو الدستور ومنطق تدبير السلطة. فالمسألة لا تتعلق بوقائع عابرة، بل بما تفتحه من أسئلة حول جوهر الخيار الديمقراطي في المغرب، ومدى التزام الفاعلين السياسيين بمقاصد النص الدستوري لا بمجرد حرفيته.

في المشهد السياسي الحالي، تبدو العلاقة بين النص الدستوري والممارسة التشريعية علاقة “مُضطربة”؛ كأنهما يتحركان في مسارين متوازيين لا يلتقيان إلا بصفارة إنذار من المحكمة الدستورية لإعادة ضبط الإيقاع. إن القرارات الأخيرة لم تكن مجرد “تصحيح تقني”، بل كانت إعلاناً صريحاً بأن الديمقراطية لا تُختزل في الأغلبية العدديّة، وأن المؤسسات الدستورية ليست امتداداً لموازين القوى السياسية، بل هي الحصن الضامن لحدود تلك القوى. هذا التدخل الهادئ كشف –دون ضجيج– أن الخلل لم يعد كامناً في النصوص، بل في ثقافة إدارة السلطة التي تميل أحياناً للتعامل مع الدستور كإطار للتأويل المصلحي لا كعقد ملزم.

ورغم أن النقاش الظاهري يتمحور حول مواد قانونية تقنية، إلا أن ما يتوارى خلف السطور هو سؤال الهوية السياسية: هل استوعبت النخب أن دستور 2011 كان إعلاناً عن انتقال في كينونة السلطة؟ إن الواقع يشير إلى أن هذا الانتقال لم يكتمل سيكولوجياً لدى البعض؛ حيث لا يزال منطق “الغلبة الانتخابية” يطغى على منطق “التوازن المؤسساتي”، مما يحوّل المؤسسات في نظرهم من فضاءات مشتركة إلى “غنائم” سياسية.

الأبعاد الفلسفية والسياسية: في جوهر الشرعية

إن ما نعيشه اليوم لا يمكن تفكيكه بالأدوات القانونية الصرفة وحدها، بل يحتاج إلى مقاربة فلسفية لمفهوم السلطة. فالديمقراطية ليست مجرد “صندوق اقتراع”، بل هي تصور فلسفي يجعل من المؤسسات “كوابح” تمنع انحراف السلطة. وعندما تتراجع هذه الرؤية، يتحول التشريع إلى “ممارسة تقنية” جافة، وتصبح الأغلبية معياراً وحيداً للحقيقة، ويغيب الوعي بأن التعددية ليست منّة سياسية، بل هي شرط وجود المجال العمومي.

تُعلمنا الفلسفة السياسية أن الدولة الحديثة لا تستمد شرعيتها من قدرتها على “فرض” القانون، بل من جعل هذا القانون تعبيراً عن الإرادة العامة التي تضمن حقوق الأقلية قبل الأغلبية. ومن هنا، يصبح التنظيم الذاتي للمهن (كالصحافة) واستقلال المؤسسات عناصر جوهرية في بناء دولة الحق والقانون، وليست مجرد تفاصيل تنظيمية يمكن القفز عليها.

خاتمة: الدستور كعقد حيّ

في ضوء ما سبق، يظهر أن التحدي الحقيقي لا يكمن في “إسقاط” مواد مخالفة للدستور فحسب، بل في بناء علاقة صحية بين الفاعل السياسي والنص الدستوري. فالدستور ليس مظلة تُستدعى عند الحاجة، بل هو الإطار الوجودي الذي يضمن ممارسة السلطة بمسؤولية.

إن الدرس الأعمق لهذه اللحظة هو أن الديمقراطية لا تتقدم بتراكم القوانين، بل بترسيخ ثقافة دستورية تجعل من “الحياد” قاعدة، ومن “الاستقلال” شرطاً لبقاء الدولة. فالدستور في نهاية المطاف هو التعبير الأسمى عن التعاقد الذي يربط المجتمع بالدولة، ويضمن ألا تتحول الأغلبية إلى “احتكار”، ولا المؤسسات إلى “أدوات”.

Exit mobile version