Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

حين يُنقِذ الدستور الديمقراطية من مُشرِّعيها : المحكمة الدستورية في مواجهة انحراف المنهج السياسي

– *بقلم فؤاد بوجبير، باحث في علوم الادارة ( مختص في التدبير العمومي و السياسات العمومية)*

 

 

*مقدمة* :

 

في لحظة سياسية دقيقة، يتقاطع فيها منسوب التوتر بين النص الدستوري وممارسات التشريع اليومي، يأتي القرار رقم 261/26 م.د الذي يقضي بأن المواد 4 (الفقرة اﻷخيرة) و5 (البند ب) و49 و57 (الفقرة اﻷولى) و93 من القانون رقم 026.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، مخالفة للدستور، ليعيد بذلك إلى الواجهة سؤالاً مؤجَّلاً حول طبيعة الخيار الديمقراطي في المغرب، وحدود التزام الفاعلين السياسيين بروحه ومقاصده، لا بمجرد شكلياته. فالأمر لا يتعلق فقط بإسقاط مقتضيات قانونية ثبت تعارضها مع الدستور، بل بإعادة فتح نقاش عميق حول معنى التنظيم الذاتي، ومكانة التعددية، وحدود منطق الأغلبية حين يصطدم بأسس دولة القانون.

 

لقد شكّل دستور 2011، كما أراده جلالة الملك محمد السادس نصره الله وكرّسه الاستفتاء الشعبي، تعاقداً سياسياً وأخلاقياً جديداً، قوامه توسيع مجال الحريات، وتعزيز استقلال المؤسسات، وإرساء توازن دقيق بين السلط، مع إسناد أدوار محورية للهيئات المستقلة والتنظيمات الذاتية، وفي مقدمتها قطاع الصحافة باعتباره مرآة المجتمع وشرطاً من شروط الديمقراطية الحية. غير أن مسار تنزيل هذا الاختيار ظل، في محطات عدة، عرضة لاختلالات ناتجة عن تغليب المقاربة العددية، وضعف الحسّ الدستوري، وتراجع الثقافة الديمقراطية داخل الفضاء الحزبي والبرلماني.

 

من هذا المنطلق، تندرج هذه القراءة في سياق مساءلة هادئة ولكن صارمة للممارسة السياسية خلال السنوات الأخيرة، على ضوء قرار دستوري أعاد الاعتبار لمبادئ التساوي والتوازن والتعددية والحياد، وكشف في الآن ذاته حدود أداء الأحزاب السياسية و المنظمات و الهيئات الممثلة داخل الغرفة الثانية بالبرلمان، سواء تلك التي تحمل إرث الحركة الوطنية والكتلة الديمقراطية، أو التي تقدّم نفسها باعتبارها قوى وسطية اجتماعية. إنها قراءة لا تستهدف الإدانة المجردة، بقدر ما تروم تفكيك الأعطاب، واستجلاء المسؤوليات، وطرح السؤال الجوهري : إلى أي حد ظلّ المنهج الديمقراطي والحداثي، الذي جعله جلالة الملك حفظه الله خياراً استراتيجياً لا رجعة فيه، حاضراً في وعي وممارسة القائمين على الشأن العام و السياسي؟

 

*- أولاً : قرار المحكمة الدستورية… تصحيح لمسار لا مجرد مراقبة تقنية*

 

قرار المحكمة الدستورية رقم 261/26 لا يمكن قراءته كقرار تقني معزول، بل هو قرار ذو حمولة سياسية-دستورية واضحة. فالمحكمة لم تكتفِ بضبط الصياغة أو الإجراء، بل أعادت التذكير بثلاث أسس كبرى أرادها دستور 2011 :

 

*/ التوازن و التساوي في التمثيل داخل هيئات التنظيم الذاتي؛

*/ التعددية باعتبارها شرطاً للديمقراطية، لا امتيازاً تنظيمياً؛

*/ الحياد كضمانة جوهرية للعدالة التأديبية، وليس شكلاً إجرائياً.

 

وهذه المبادئ كلها مستمدة مباشرة من روح ونص دستور 2011، وخاصة الفصل 28، الذي جعل من التنظيم الذاتي للصحافة تعبيراً عن الديمقراطية المهنية لا عن ميزان القوة السياسية أو الاقتصادية.

 

*- ثانياً : هل تخلّى الفاعل السياسي عن المنهج الديمقراطي والحداثي؟*

 

الجواب الدقيق : ليس نعم أو لا، بل هناك انزلاق متراكم نحو تدبير عددي-تقني للسياسة، على حساب المنهج الديمقراطي الذي أراده جلالة الملك محمد السادس والشعب معاً.

 

منذ سنوات، يُلاحظ

هيمنة منطق الأغلبية العددية بدل منطق التوافق الدستوري؛

بحيث تم تحويل البرلمان إلى غرفة تمرير أكثر منه فضاءً للتشريع المتوازن؛

مما يدل على تراجع الحسّ الدستوري لدى عدد كبير من المنتخبين و السياسيين، حيث يُنظر إلى الدستور كمرجعية شكلية لا كإطار موجِّه.

 

وهنا يجب التمييز بين الاختيارات الملكية الكبرى، كما عبّر عنها صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظه الله منذ اعتلائه العرش، وبين الممارسة السياسية اليومية التي لم ترقِ دائماً إلى هذا السقف. فالمنهج الديمقراطي والحداثي الذي دعا إليه جلالة الملك يقوم على التعدد لا على الإقصاء؛ وعلى التوازن لا على الهيمنة؛ وعلى إشراك الفاعلين لا تحييدهم.

 

بينما ما كشفه هذا القانون، قبل إسقاط بعض مواده، هو نزوع إلى إعادة هندسة التنظيم الذاتي بمنطق الضبط والتحكم، لا بمنطق الثقة في الفاعلين المهنيين.

 

*- ثالثاً : مسؤولية الأحزاب السياسية و الهيئات الممثلة داخل الغرفة الثانية… وأزمة الدور لا فقط الموقف*

 

1/ أحزاب الكتلة الديمقراطية

 

أحزاب الكتلة، تاريخياً، هي حاملة المشروع الديمقراطي في المغرب مع إرادة ملكية قوية في هذا الاتجاه. لكن في هذه النازلة، يظهر أنها ترافعَت، إلى جانب أحزاب أخرى في المعارضة داخل البرلمان وقدّمت تعديلات، لكنها عجزت عن تحويل الترافع إلى ميزان قوى سياسي فعلي؛ ولم تنجح في تعبئة الرأي العام حول قضية تمس حرية الصحافة، وهي إحدى ركائز مشروعها التاريخي.

وهذا يعكس أزمة أعمق،

أزمة انتقال من ذاكرة النضال إلى فاعلية التأثير في السياق السياسي الجديد.

 

2/ الأحزاب التي تدّعي الوسطية الاجتماعية

 

أما الأحزاب التي ترفع شعار “الوسطية” أو “البراغماتية الاجتماعية” فقد بدت في هذه القضية أقرب إلى منطق الاستقرار الإداري منه إلى منطق التوازن الديمقراطي؛

أكثر ميلاً إلى مجاراة السلطة التنفيذية و ميلا أيضا الى كل ما هو لامألوف و لا منضبط سياسيا (le politiquement incorrect)، بحيث يكرس استراتيجية خطابية وفكرية، لا تكتسب شرعيتها عندما لا تخدم المبادئ العليا المتمثلة في الإرادة الملكية و مضمون الدستور.

 

كان لابد على هذه الاحزاب التي تدعي “الوسطية الاجتماعية” ان تلعب دور الوسيط بين الدولة والمجتمع، لكنها ظهرت أقل استعداداً، فكريا و سياسيا وثقافيا، للدفاع عن استقلالية الهيئات. وهنا يظهر أن “الوسطية” تحوّلت، في كثير من الأحيان، إلى حياد سلبي، لا إلى فضاء للتوفيق الخلاق بين الحرية والمسؤولية.

 

3/ الهيئات الممثلة داخل الغرفة الثانية بالبرلمان

 

يُسجَّل، في هذا السياق، أن دور الهيئات الممثلة داخل الغرفة الثانية ظل محدود الأثر، رغم ما يُفترض فيها من خبرة اجتماعية وحسّ ترافعي، ورغم ما يمكن افتراضه من حسن نية في التعاطي مع هذا النص التشريعي. فقد بدا حضورها أقرب إلى موقف المراقب الحذر، و المنسحب اثناء التصويت، منه إلى فاعل مؤثر في إعادة توجيه النقاش نحو جوهره الدستوري والديمقراطي، وهو ما يطرح تساؤلات جدية حول قدرة التمثيلية النقابية والمؤسساتية و الهيئات الممثلة داخل الغرفة الثانية على الانتقال من منطق التعبير إلى منطق التأثير، ومن حسن النوايا إلى قوة الاقتراح والضغط المشروع داخل المسار التشريعي.

 

 

*- رابعاً : ماذا يقول هذا القرار سياسياً؟*

 

قرار المحكمة الدستورية يبعث ثلاث رسائل قوية :

 

*/ الدستور ما زال حياً، حتى عندما تضعف المناعة الديمقراطية داخل البرلمان؛

*/ الحداثة ليست خطاباً سياسياً بل ممارسة مؤسساتية دقيقة؛

*/ الملكية الدستورية تظل الضامن الأخير للتوازن، حين تختلّ بوصلة الفاعلين الحزبيين و المنتخبين و السياسيين.

 

 

*خلاصة تركيبية*

 

لا يمكن القول إن المغرب تخلّى عن المنهج الديمقراطي الذي أراده صاحب الجلالة الملك محمد السادس حفظك الله والشعب، لكن يمكن الجزم بأن جزءاً من النخبة السياسية المنتخبة لم يرتقِ بعدُ إلى مستوى هذا الاختيار، لا فكرياً ولا مؤسساتياً.

 

وقرار المحكمة الدستورية، في هذه النازلة، لم يكن فقط تصحيحاً قانونياً،

بل تنبيهاً سياسياً بليغاً، بحيث أن الديمقراطية لا تُختزل في صناديق الاقتراع، بل تُقاس بمدى احترام التعدد، والتوازن، والحياد… كل يوم، وفي كل قانون.

Exit mobile version