الخطاب السياسي يؤطر السلوك السياسي، لكن السلوك السياسي قد يكون قاتلا ويتحول إلى توظيف الخطاب السياسي في منحى قتل السياسة بحسن نية أو بسوئها، وكثير من الكوارث سببها هذا السلوك، وما يجري أمام أعيننا وعلى مقربة من الانتخابات التشريعية، لم نشهد له مثيلا في تاريخ المغرب.
الحملة الانتخابية ركيزتها الأساسية هي دفاع الأغلبية عن منجزاتها، وتصدي المعارضة لمكامن الفشل واقتراح البدائل الممكنة، ووفق ذلك يتم إنجاز البرامج الانتخابية، لكن الحملة الانتخابية الحالية مبنية على “السب والشتم”، إذا اعتبرنا استعمال عبارات مثل “الفراقشية” و”الإرهابي” من باب الشتائم، وأكثر من ذلك استعمال التهم والضرب تحت الحزام.
لم يتم لحد الآن تقديم برنامج سياسي انتخابي قابل للتنفيذ، فقد عهدنا في السابق أن الأحزاب السياسية لم تكن توزع الوعود الفلكية، بمن فيها الأحزاب التي كانت تسمى من قبل المعارضة “إدارية”، كانت تطرح للناخب ما تستطيع القيام به وتنفيذه وفق ما يسمح به القانون والدستور والشكل العام للحكم آنذاك، لكن لم توزع وعودا فلكية، رغم أن الحكومة لم تكن ملزمة دستوريا بتقديم الحساب مثلما عليه اليوم.
اليوم نعيش توجها خطيرا، يوزع الوعود يمينا وشمالا، من رفع الحد الأدنى للأجور إلى توزيع الإعانات إلى التعويض عن فقدان الشغل، وهي أمور كلها ممكنة، لكن تحتاج إلى دراسة وبرنامج، والتعرف بجدية على مصادر تمويل الصناديق الكفيلة بتحقيق هذه المنجزات، وبما أن الوعود مجرد أرقام يشترط أصحابها إن لم ينفذوها ضربهم بالحجر، وبما أن لا أحد ضربهم بالحجر لأن المغاربة مهذبون، فسيستمرون في غيهم يعمهون.
انشطار الأغلبية على مقربة من الانتخابات يفيد بأن الالتزامات لا معنى لها في هذا السياق، وبالتالي يقوم بتشتيت الأنظار، بل بفقدان الثقة في المؤسسات، فالأحزاب التي ظلت لمدة خمس سنوات متضامنة، وقادت حملة تمرير العديد من القوانين المثيرة للجدل، وتسببت في توعكات قانونية لبلادنا، هي نفسها التي تتبادل الاتهامات مع بعضها البعض اليوم.
أي صورة نرسمها للمغرب لدى بلدان العالم، لما نقدمه على أنه تحكمه مجموعات بشرية تنتهك كل القوانين من أجل المصالح الشخصية؟ لسنا نحن من يقول ذلك، ولك قادة في الأغلبية يتبادلون التهم فيما بينهم، ولم يتركوا شيئا مخزيا إلا ذكروه في حق بعضهم البعض، وهم من كانوا يحكمون مشتركين، وهم من تقاسموا المنافع الحكومية فيما بينهم لمدة خمس سنوات.
الأغرب أن قيادات حزبية لا تفهم معنى القانون. فزعيم حزبي يقول إن الحكومة صرفت 280 مليار درهم لدعم القدرة الشرائية لكنها في النهاية ذهبت أدراج الرياح. مع العلم أنه كان وما زال وزيرا مهما في الحكومة. والأخطر من ذلك أن يتم اتهام شخصيات معروفة بالتزوير والاختلاس والسطو على الأموال العمومية، ومن يقول ذلك الآن مشارك في الجريمة لأنه لم يبلغ عنها.
فهذا الخطاب السياسي للأسف الشديد قاتل للسياسة نفسها.
خطاب سياسي يقتل السياسة

