شهدت لجنة التعليم والثقافة والاتصال بمجلس النواب، أمس الإثنين، نقاشًا سياسيًا محتدمًا حول مشروع القانون رقم 26.25 المتعلق بإعادة تنظيم المجلس الوطني للصحافة، الذي قدمه وزير الشباب والثقافة والتواصل، محمد مهدي بنسعيد، وسط تباين واضح بين مواقف فرق الأغلبية والمعارضة.
فبينما رحبت الأغلبية الحكومية بالمشروع واعتبرته خطوة نحو تعزيز التنظيم الذاتي للصحافة وترسيخ مبادئ الحكامة والاستقلالية، وجهت المعارضة انتقادات شديدة لبعض بنوده، محذّرة من “تهديد محتمل للتعددية الإعلامية” وإضعاف مكتسبات حرية التعبير.
تشكيك في النوايا واستفهامات حول الصلاحيات
المجموعة النيابية للعدالة والتنمية اعتبرت أن المشروع لم يخضع للمستوى المطلوب من التشاور، محذّرة من تضارب محتمل بين استقلالية المجلس وإشراف الحكومة، ومن توسيع غير مبرر لصلاحياته التأديبية، داعية إلى إصلاح حقيقي يبدأ من تمكين الصحافيين مالياً وقانونياً وتحصين المؤسسات الإعلامية من الضغوط السياسية والاقتصادية.
من جهته، الفريق الاشتراكي أبدى تحفّظًا على إدراج مندوب حكومي داخل بنية المجلس، ورفض منح صلاحيات زجرية لكيان مهني مستقل، مطالبًا بالموازنة بين تقوية المجلس وضمان استقلاله التام عن السلطة التنفيذية.
كما اعتبر الفريق الحركي أن المشروع، رغم أهميته، يفتقر إلى إشراك فعلي للمهنيين والمجتمع المدني، داعيًا إلى التريث في مناقشته وعقد لقاءات استشارية موسعة مع الفاعلين في الميدان لضمان صياغة متوازنة.
دفاع حكومي وتمسك بمقاربة الإصلاح
في المقابل، دافعت فرق الأغلبية عن النص، معتبرة أن المشروع يُحدث قطيعة مع وضعية الجمود التي عاشها المجلس الوطني منذ انتهاء ولايته القانونية سنة 2022، ويساهم في ترسيخ المسار الديمقراطي للمهنة.
فريق الأصالة والمعاصرة اعتبر أن المشروع جاء “لسد فراغ قانوني ومؤسساتي”، بعد فترة اللجنة المؤقتة، ويمنح المجلس أدوات تنظيم أكثر نجاعة من خلال تقليص عدد أعضائه وضبط شروط التمثيلية بشكل أكثر شفافية، مستبشرًا بمرحلة جديدة من الإصلاح المؤسساتي في القطاع.
فريق التجمع الوطني للأحرار شدد على أن الصحافة تمر من “لحظة مفصلية” تتطلب تشريعات داعمة تُمكن المجلس من ممارسة دوره التأطيري، خصوصًا في مواجهة التحديات الأخلاقية والمهنية التي تتفاقم في البيئة الرقمية الحالية.
من جانبه، ثمّن الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية المجهود الحكومي، مبرزًا أن المشروع “لا يُقزم صلاحيات المجلس بل يُعززها”، داعيًا إلى تهيئة بيئة مهنية تحفظ كرامة الصحافيين وتضمن استمرارية المؤسسة.
وزير الثقافة: المشروع نتاج مشاورات واسعة
وفي تعقيبه على النقاش، أكد الوزير محمد مهدي بنسعيد أن مشروع القانون هو نتيجة مشاورات متعددة قامت بها اللجنة المؤقتة مع مختلف مكونات القطاع، وأن الوزارة لم تقم إلا بصياغة المقترحات القانونية الواردة منها.
وأضاف أن الهدف ليس التدخل في استقلالية المجلس، بل توفير الإطار المؤسساتي اللازم لممارسة مهنية قائمة على احترام الدستور والاتفاقيات الدولية، في وقت تتطلب فيه السياقات الوطنية والدولية المزيد من التنظيم الذاتي المسؤول.
وشدد الوزير على أن الحكومة “منفتحة على النقاشات الجارية داخل اللجنة”، ومؤمنة بضرورة تمكين المجلس من لعب دوره كاملاً، محذرًا من التمادي في الخطابات التي تزرع الشك في نوايا الإصلاح بدل التركيز على تقويته.
التعديلات المقبلة: اختبار حقيقي للإرادات
وبين مدافع عن المشروع ومتحفظ على بعض جوانبه، يبدو أن المرحلة التشريعية المقبلة ستكون حاسمة في تحديد التوجه النهائي لهذا النص، الذي يُنظر إليه كأحد المشاريع المفصلية في تنظيم الحقل الإعلامي المغربي.
ففي وقت تطالب فيه أصوات حقوقية ومهنية بتوسيع الاستقلالية وتعزيز الشفافية، ترى الحكومة أن المشروع يكرّس هذه المبادئ ولا يتنافى معها. وبين الرؤيتين، ستُختبر قدرة البرلمان على صياغة قانون توافقي يوازن بين حرية الصحافة وحاجتها إلى التأطير، في ظل مشهد إعلامي متغير وسياقات سياسية لا تخلو من التوتر.

