Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

سبتة تحت ضغط الآلاف.. «إل باييس» ترصد وجهًا آخر لأزمة الهجرة

كشفت صحيفة «إل باييس» الإسبانية تفاصيل جديدة حول موجة الهجرة الاستثنائية التي شهدتها مدينة سبتة أواخر يوليوز الماضي، بعدما حاول أكثر من 70 ألف شخص عبور الحدود نحو المدينة، في واحدة من أكبر موجات العبور الجماعي التي عرفتها المنطقة، وفق ما أوردته الصحيفة.

وأفادت اليومية الإسبانية بأن هذه الموجة خلفت، بحسب المعطيات التي أوردتها، وفاة ما لا يقل عن 142 شخصاً، في وقت أدى فيه التدفق المفاجئ إلى مضاعفة عدد سكان سبتة تقريباً، ووضع السلطات المحلية وأجهزة الإغاثة والاستقبال أمام ضغط غير مسبوق.

آلاف الأشخاص ما زالوا في شوارع سبتة

وبحسب الأرقام الرسمية لوزارة الداخلية الإسبانية، لم يبق في المدينة سوى نحو ألفي مهاجر بعد عودة غالبية الوافدين، سواء بسبب صعوبة مواصلة الرحلة نحو أوروبا أو بسبب نقص المؤن والظروف الصعبة التي واجهوها.

غير أن «إل باييس» أشارت إلى أن المشهد الميداني بدا مختلفاً، إذ تحدثت عن وجود نحو خمسة آلاف شاب في عدد من شوارع المدينة، إلى جانب مئات الوافدين من دول إفريقيا جنوب الصحراء، يعيش بعضهم في الحدائق والشواطئ ومستودعات تفتقر إلى الظروف الملائمة للإقامة.

وتعكس هذه الأوضاع حجم الضغط الذي خلفته موجة العبور على البنية الاجتماعية والخدماتية لمدينة سبتة، التي وجدت نفسها أمام أعداد كبيرة من الوافدين خلال فترة زمنية قصيرة.

شهادات تكشف حجم التطلع إلى العبور

ونقلت الصحيفة شهادات عدد من المهاجرين الذين عاشوا تفاصيل موجة العبور، من بينهم قاصر تبلغ من العمر 16 عاماً، قالت إنها قطعت نحو 30 كيلومتراً سيراً على الأقدام من تطوان أملاً في الوصول إلى سبتة.

كما تحدثت عن شاب يبلغ من العمر 17 عاماً قرر العودة بعد أن اصطدم بواقع مختلف عما كان يتوقعه، بعدما تأثر بما كان يتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي حول سهولة العبور وإمكانية الوصول إلى الأراضي الإسبانية.

وتكشف هذه الشهادات، بحسب الصحيفة، الفجوة بين الصورة التي تقدمها بعض المحتويات الرقمية عن الهجرة وبين الواقع الذي يواجهه الأشخاص بعد الوصول إلى سبتة.

التضليل الرقمي يشعل موجة العبور

وأبرزت «إل باييس» الدور الذي لعبته حملات التضليل الرقمي في تسريع موجة العبور، مشيرة إلى انتشار تفسير خاطئ لقرار صادر عن المحكمة العليا الإسبانية، جرى تقديمه على أنه يمنع السلطات من إعادة الأشخاص الذين يتم اعتراضهم في البحر.

وساهم تداول هذه الرواية عبر مواقع التواصل الاجتماعي في خلق اعتقاد لدى عدد من الراغبين في الهجرة بأن الوصول إلى سبتة سيضمن لهم البقاء داخل الأراضي الإسبانية.

وبحسب الصحيفة، لم يقتصر انتشار هذه المعلومات على المستخدمين العاديين، بل ساهمت خوارزميات المنصات والحسابات الآلية في تضخيم بعض المحتويات وتوسيع نطاق انتشارها خلال فترة زمنية قصيرة.

البطالة والفوارق الاقتصادية خلف المشهد

وفي محاولة لتفسير الدوافع العميقة وراء موجة العبور، ربطت الصحيفة الظاهرة أيضاً بعوامل اجتماعية واقتصادية، خصوصاً وضعية الشباب المغربي.

وأشارت إلى أن معدل البطالة في صفوف الشباب يقترب من 30 في المائة، معتبرة أن الفوارق الاقتصادية ومستويات الدخل بين المغرب وإسبانيا تظل من العوامل التي تغذي تطلعات فئات من الشباب إلى البحث عن مستقبل أفضل خارج البلاد.

وحتى مع تسجيل الاقتصاد المغربي معدلات نمو مهمة، فإن الفوارق في الأجور ومستويات المعيشة والدخل الفردي بين ضفتي المتوسط تظل حاضرة في حسابات الشباب الذين ينظر بعضهم إلى أوروبا باعتبارها فضاءً يوفر فرصاً أكبر.

أزمة سبتة تصل إلى قلب النقاش الأوروبي

ولم تتوقف تداعيات موجة العبور عند حدود سبتة، بل امتدت إلى المستوى الأوروبي، حيث أعادت الأزمة فتح النقاش حول قدرة الاتحاد الأوروبي على التعامل بشكل موحد مع تدفقات الهجرة.

وأشارت «إل باييس» إلى أن الأزمة تزامنت مع توتر في العلاقات بين عدد من الدول الأوروبية بشأن تدبير الحدود والهجرة، فيما برزت مخاوف من توظيف صور ومقاطع موجة سبتة في الحملات السياسية للأحزاب اليمينية المتطرفة خلال الاستحقاقات المقبلة.

وفي المقابل، حذر مسؤولون أوروبيون من الانجرار وراء حالة من الذعر الجماعي، معتبرين أن التعامل مع الهجرة يجب أن يجمع بين حماية الحدود واحترام القانون الدولي وحقوق الإنسان.

بروكسيل تدعو إلى الاستعداد مع احترام الحقوق

ونقلت الصحيفة عن نائبة رئيس المفوضية الأوروبية تيريزا ريبيرا تأكيدها أن حماية الحدود أصبحت جزءاً أساسياً من الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية، إلى جانب الطاقة والتكنولوجيا.

ودعت إلى الاستعداد للتعامل مع تدفقات الهجرة المستقبلية، مع التشديد في الوقت نفسه على ضرورة احترام القانون الدولي والحقوق الأساسية للمهاجرين.

وتعكس هذه المواقف المعضلة التي تواجهها أوروبا: فمن جهة، تسعى دول الاتحاد إلى تعزيز مراقبة حدودها الخارجية والحد من الهجرة غير النظامية، ومن جهة أخرى تواجه ضغوطاً قانونية وحقوقية بشأن طريقة التعامل مع الوافدين.

المغرب في قلب النموذج الأوروبي

وأبرزت «إل باييس» أن السياسة الأوروبية في مجال الهجرة تعتمد بدرجة كبيرة على التعاون مع دول الجوار، من خلال اتفاقيات وبرامج مالية وأمنية تهدف إلى الحد من تدفقات المهاجرين قبل وصولهم إلى الحدود الأوروبية.

وفي هذا السياق، أصبحت المملكة المغربية شريكاً رئيسياً للاتحاد الأوروبي وإسبانيا في تدبير ملف الهجرة، بالنظر إلى موقعها الجغرافي ودورها في مراقبة الطرق المؤدية إلى الأراضي الأوروبية.

غير أن موجة سبتة الأخيرة أظهرت، وفق التحليل الذي قدمته الصحيفة، أن المقاربة الأمنية وحدها لا تكفي لاحتواء الظاهرة، خصوصاً في ظل استمرار العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع جزءاً من الشباب إلى التفكير في الهجرة.

هشاشة النموذج الأوروبي

وفي تحليل نقلته الصحيفة، اعتبرت الأستاذة الجامعية بثينة الإسماعيلي الإدريسي أن الأحداث الأخيرة تكشف جوانب من هشاشة النموذج الأوروبي لتدبير الهجرة، خصوصاً أمام التقلبات السياسية والجيوسياسية.

وترى أن العلاقة بين الضفتين تقوم على ترابط غير متكافئ، فيما تلعب تطلعات الشباب والتحولات الاجتماعية والرقمية دوراً متزايداً في تشكيل مسارات الهجرة.

وبهذا المعنى، لا تبدو موجة سبتة مجرد حادث حدودي معزول، بل تعبيراً عن تداخل عوامل متعددة، من البطالة والفوارق الاقتصادية إلى تأثير شبكات التواصل الاجتماعي والسياسات الأوروبية في مجال الهجرة.

أرقام لا تؤيد «سيناريو الغزو»

وفي ختام تحليلها، سلطت «إل باييس» الضوء على المفارقة بين حجم المخاوف السياسية التي تثيرها الهجرة وبين الأرقام الإجمالية المسجلة على مستوى الاتحاد الأوروبي.

وأشارت إلى أن عدد المهاجرين غير النظاميين الذين وصلوا إلى الاتحاد الأوروبي، الذي يضم نحو 450 مليون نسمة، تراجع من حوالي 275 ألفاً سنة 2023 إلى 207 آلاف سنة 2024، مع توقعات بانخفاضه أكثر خلال 2025.

وترى الصحيفة أن هذه الأرقام تضع أزمة سبتة في سياقها الحقيقي، بعيداً عن الروايات التي تصور الهجرة باعتبارها موجة اجتياح مستمرة لأوروبا.

وفي المقابل، كشفت أحداث أواخر يوليوز أن مجرد انتشار شائعة عبر منصات التواصل الاجتماعي يمكن أن يحول الحدود إلى نقطة جذب لآلاف الأشخاص خلال وقت قصير، وهو تحدٍ جديد لا يتعلق فقط بمراقبة الحدود، بل أيضاً بإدارة المعلومات والتضليل الرقمي ومعالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية للهجرة

Exit mobile version