Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

سبتة… سقوط الوهم قبل عبور الحدود

كشفت أحداث سبتة الأخيرة أن أخطر ما يواجه الشباب الراغب في الهجرة غير النظامية ليس البحر ولا الأسلاك الحدودية، بل الوهم الذي يُصنع يوميًا على منصات التواصل الاجتماعي.

 

ففي غضون ساعات، تبددت الصورة التي رسمتها بعض الصفحات، والتي أوحت بأن الوصول إلى المدينة المحتلة يعني تلقائيًا الانتقال إلى حياة أكثر استقرارًا ورفاهًا، بينما أثبت الواقع أن الطريق لا يبدأ بالوصول، بل بسلسلة طويلة من التعقيدات القانونية والإنسانية.

 

لقد أصبح الفضاء الرقمي اليوم أحد أبرز المحركات للهجرة غير النظامية، بعدما تحول إلى منصة لتسويق قصص النجاح السريعة، مع تجاهل آلاف القصص الأخرى التي تنتهي بالإحباط أو العودة أو البقاء في أوضاع قانونية هشة.

 

وهنا تكمن الخطورة، لأن القرار المصيري لم يعد يُبنى على معطيات دقيقة، بل على مقاطع قصيرة ومحتوى مجتزأ يختزل واقعًا بالغ التعقيد في مشاهد لا تتجاوز ثوانٍ.

 

ولا شك أن الرغبة في البحث عن مستقبل أفضل حق مشروع، خصوصًا في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها كثير من الشباب.

 

غير أن هذا الحق يفقد معناه عندما يتحول إلى اندفاع غير محسوب، تغذيه معلومات مضللة وتوقعات بعيدة عن الحقيقة. فالهجرة غير النظامية ليست طريقًا مضمونًا لتحقيق الأحلام، بل قد تكون بداية لمعاناة جديدة تختلف في شكلها فقط عن تلك التي يحاول المهاجر الفرار منها.

 

الأحداث الأخيرة أظهرت أيضًا أن الواقع الأوروبي أكثر صرامة مما يتم الترويج له. فالقوانين المنظمة للهجرة، وإجراءات الاستقبال، واحتمالات الإرجاع أو البقاء في وضعية غير مستقرة، كلها معطيات يغيب الحديث عنها في الخطاب المنتشر على المنصات الرقمية، حيث تُباع الأحلام ويُخفى الثمن الحقيقي الذي قد يدفعه أصحابها.

 

ولذلك، فإن معالجة الظاهرة لا ينبغي أن تقتصر على تشديد المراقبة الأمنية، لأن الأمن يعالج النتائج أكثر مما يعالج الأسباب.

 

أما المواجهة الحقيقية فتبدأ ببناء وعي جماعي قادر على كشف التضليل، وترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات، وتقديم خطاب إعلامي مسؤول يضع الحقائق أمام الشباب بعيدًا عن التهويل أو التزييف.

 

لقد أثبتت سبتة، مرة أخرى، أن الحدود ليست دائمًا خطوطًا جغرافية، بل قد تكون حدودًا فاصلة بين الحقيقة والوهم. وعندما ينتصر الوهم في الفضاء الرقمي، يصبح الواقع هو من يتولى تصحيح الصورة، لكن بعد أن يكون كثيرون قد دفعوا ثمن ذلك من مستقبلهم وأحلامهم.

Exit mobile version