تشهد العلاقة الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا تحولًا لافتًا، يتجاوز الإطار التقليدي للمنافسة في المجالين الفلاحي والصناعي، ليشمل اليوم قطاعًا غير متوقع: صيانة السيارات.
ففي السنوات الأخيرة، برزت مدن شمال المغرب، وعلى رأسها طنجة، كوجهة مفضلة للإسبان الباحثين عن خدمات ميكانيكية عالية الجودة بأسعار منخفضة بشكل لافت.
ويرتبط هذا الإقبال المتزايد بما أصبح يُعرف إعلاميًا بـ”سياحة الميكانيك”، وهي ظاهرة تعكس الفارق الكبير في كلفة اليد العاملة، حيث لا تتجاوز ساعة العمل في ورشات الصيانة بالمغرب 2 يورو، مقارنة بـ150 يورو في إسبانيا. فرق يسمح للزبائن بتوفير مئات اليوروهات، خصوصًا في العمليات الكبرى مثل طلاء الهيكل أو تغيير المحرك.
لكن المثير في المشهد ليس فقط بروز المغرب كوجهة لخدمات ما بعد البيع، بل تفوقه أيضًا على إسبانيا في صادرات السيارات نحو السوق الأوروبية. فبحسب بيانات 2023، بلغت صادرات المغرب من السيارات أكثر من 15 مليار يورو، في سابقة تعكس التحول العميق الذي تشهده سلسلة القيمة الصناعية في المنطقة.
ويعزى هذا التقدم إلى عوامل متعددة، أبرزها انخفاض كلفة الإنتاج. فتكلفة اليد العاملة لتجميع سيارة واحدة في المغرب لا تتعدى 106 دولارات، مقابل أكثر من 3300 دولار في ألمانيا. هذا الواقع جذب شركات عالمية كبرى للاستثمار في القطاع، مما عزز مكانة المغرب كمركز إقليمي لصناعة السيارات.
في المقابل، لم يتأخر الرد الأوروبي. ففي أبريل 2025، قرر الاتحاد الأوروبي فرض رسوم جمركية على واردات عجلات الألمنيوم من المغرب، في خطوة أثارت جدلاً واسعًا، واعتبرها عدد من المحللين بداية لحرب تجارية غير معلنة تهدف إلى كبح الزخم الذي باتت تسجله علامة “صُنع في المغرب”.
وفي الوقت الذي تتحدث فيه تقارير أوروبية عن احتمال نقل وحدات إنتاجية تابعة لمجموعة “ستيلانتيس” من إسبانيا إلى المغرب، تتعزز مؤشرات إعادة رسم خريطة التصنيع في حوض البحر الأبيض المتوسط، مع بروز المغرب كلاعب رئيسي في سلاسل التوريد العالمية.

