Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

صفقات جماعية “مستنسخة” تفجر غضب وزارة الداخلية

تعيش وزارة الداخلية المغربية حالة استنفار غير مسبوقة بعد أن كشفت تقارير حديثة للمفتشية العامة للإدارة الترابية عن فضائح مدوية تتعلق بتمرير صفقات جماعية “مستنسخة” في عدد من الجهات، على رأسها الدار البيضاء–سطات، الرباط–سلا–القنيطرة، وفاس–مكناس. فعمليات التدقيق التي باشرتها لجان التفتيش أظهرت تكراراً مثيراً لأشغال إصلاح وترميم طرق ومرافق عمومية سبق تنفيذها في وقت سابق، حيث أُعيد تمريرها عبر سندات طلب جديدة دون مبررات مقنعة، كما تم رصد صفقات لتجهيز محاور ومسالك طرقية بالإنارة العمومية والإشارات الضوئية وأخرى لتزويد مصالح جماعية بوسائل مكتبية، كلها تكررت بنفس الشروط تقريباً وكأنها نسخ مطابقة لسابقتها. هذه النتائج دفعت وزارة الداخلية إلى تعميم توجيهات صارمة على الولاة والعمال تقضي بعدم التأشير على أي صفقة مشبوهة قد تُدرج في دورات أكتوبر المقبلة، مع مطالبة رؤساء الجماعات المعنية بتقديم أجوبة دقيقة حول الاختلالات المسجلة، تمهيداً لإحالة الملفات التي يثبت فيها تورط منتخبين أو مسؤولين على محاكم جرائم الأموال لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
و التقارير الرقابية لم تكتف برصد التكرار المريب للصفقات، بل نبهت إلى تجاوزات كبيرة في التدبير المالي واستغلال سقف سندات الطلب بعد رفعه من 200 ألف درهم إلى 500 ألف درهم، وهو ما شجع العديد من الجماعات على الإفراط في اللجوء إلى هذا النمط من الصفقات لتفادي المساطر القانونية التي تفرض المنافسة المسبقة وتحديد المواصفات التقنية قبل التنفيذ. وكشفت عمليات التدقيق أن بعض الجماعات كررت اللجوء إلى مزودين محددين دون فتح باب التنافس، مع غياب وثائق قانونية أساسية وتجاوزات في تدبير لجان فتح الأظرفة، فضلاً عن تقديرات غير دقيقة لقيمة الطلبيات مقارنة بالكلفة الحقيقية في السوق، ما أدى إلى انسحاب شركات فائزة أو بحثها عن شركاء لإتمام الأشغال تفادياً لغرامات التأخير. كما تبين أن مقاولات صغيرة جداً من الأقاليم الجنوبية وجهة الشرق استأثرت بحصة وازنة من سندات الطلب المعلن عنها في محور الرباط–الدار البيضاء، في الوقت الذي رُصدت أسعار مشبوهة لا تغطي في أغلب الأحيان قيمة السلع أو تكاليف الأشغال. ووقف المفتشون على حالات مثيرة تتعلق بتجزئة سندات لإصلاح طرق بقيمة إجمالية فاقت مليار سنتيم في جماعة لا يتعدى عدد سكانها مائة ألف نسمة، رغم خضوع هذه الطرق لإصلاحات مماثلة في السنة الأولى من الولاية الحالية، ما يعزز الشكوك حول استغلال التمويلات الجماعية لتغطية نفقات استثمارية دون مبرر مشروع.
و توسع لجان التفتيش في بحثها كشف عن ممارسات أخرى تزيد من قتامة المشهد، حيث تبين أن عدداً من الجماعات يعمد إلى تفتيت المشاريع الكبرى إلى أشغال صغيرة متفرقة تحت سقف سندات الطلب لتجنب المرور عبر المساطر المعقدة للصفقات العمومية الكبرى، وهو ما يتيح تمرير عقود متكررة لمقاولين بعينهم دون مراقبة حقيقية. وتؤكد تقارير المجلس الأعلى للحسابات أن هذا الأسلوب يفتح الباب أمام علاقات مشبوهة بين بعض المنتخبين ومقاولين مقربين، إذ يتم ترتيب دفاتر التحملات وشروط المشاركة بما يضمن فوز شركات محددة، بل وتُعتمد في أحيان كثيرة أسعار لا تغطي التكلفة الفعلية، الأمر الذي يثير الشكوك حول وجود تفاهمات غير معلنة أو شبكات مصالح داخلية. وقد سجلت لجان التفتيش حالات متكررة لطرقات ومرافق تم إصلاحها أكثر من مرة خلال مدة قصيرة، دون أن يطرأ عليها أي عطب يستدعي التدخل، في وقت يُفترض فيه توجيه الأموال العمومية إلى مشاريع تنموية جديدة.
وتتزامن هذه الفضائح مع قضايا أخرى سبق أن هزت الرأي العام، مثل ملف صفقات “كوب 22” بمراكش الذي يلاحق فيه منتخبون بارزون بتهم تتعلق بتمرير عقود تفاوضية بقيمة تناهز 28 مليار سنتيم خارج الضوابط القانونية، إضافة إلى ملفات تفويت أراضٍ تابعة لأملاك الدولة بطرق مريبة وتلاعبات في تقسيم العقارات الجماعية، وهي كلها ملفات أحيل بعضها على محاكم جرائم الأموال وأدى إلى منع منتخبين من السفر ومصادرة جوازات سفرهم. هذه الوقائع تعكس حجم الاختلالات البنيوية التي تنخر منظومة تدبير الشأن المحلي، وتكشف كيف تحولت بعض المجالس المنتخبة إلى فضاء لتصفية الحسابات وتمرير المنافع الخاصة على حساب المال العام.
أمام هذا الواقع المقلق، تجد وزارة الداخلية نفسها مضطرة إلى تشديد الرقابة وتعزيز حضور المفتشية العامة، مع التلويح بإحالة كل الملفات المثبتة على القضاء وعدم التردد في عزل المنتخبين الذين يثبت تورطهم. كما يطالب خبراء في الحكامة المالية بمراجعة شاملة للمرسوم المنظم للصفقات العمومية وإغلاق الثغرات التي تسمح باستعمال سندات الطلب كذريعة للتهرب من المنافسة والشفافية، فضلاً عن تقوية أجهزة الرقابة المحلية والمجلس الأعلى للحسابات وتفعيل آليات المشاركة المواطنة في تتبع تدبير المال العام. فبدون إصلاحات جذرية وشفافية صارمة، سيبقى الباب مفتوحاً أمام مزيد من هدر الموارد الجماعية واستنزاف ميزانيات يفترض أن توجه لتحسين الخدمات والبنيات التحتية لفائدة الساكنة، لا لتمويل مصالح ضيقة وشبكات نفوذ تلتهم حقوق المواطنين في التنمية والعيش الكريم.

Exit mobile version