في تطور لافت وغير معتاد، اختارت الجزائر هذه المرة التزام الصمت إزاء إعلان البرتغال دعمها الكامل لمبادرة الحكم الذاتي المغربية كحل واقعي وجدي لإنهاء نزاع الصحراء. موقف يخالف ما دأبت عليه الدبلوماسية الجزائرية طيلة السنوات الماضية، حيث كانت تسارع إلى إصدار بيانات هجومية فور صدور أي موقف داعم للمقترح المغربي.
الصمت الرسمي الجزائري ترك المجال لجبهة “البوليساريو” للخروج برد فعل باهت، جاء في صيغة بلاغ قالت فيه إنها “أخذت علما” بمضمون البيان المشترك المغربي – البرتغالي، محاوِلة استحضار قضية تيمور الشرقية لإضفاء نوع من الشرعية على أطروحتها، لكن دون لهجة التهجم المعتادة التي كانت تصطبغ بها بياناتها، خصوصا ضد فرنسا وإسبانيا.
تحوّل في الأسلوب أم اعتراف بالمأزق الدبلوماسي؟
هذا التحول في الخطاب، سواء من طرف الجزائر عبر الصمت، أو من البوليساريو عبر لهجة دبلوماسية مخففة، يعكس حجم الضيق الذي باتت تشعر به جبهة الانفصال وداعمتها الأولى الجزائر، في ظل التسارع الدولي نحو تبني خيار الحكم الذاتي كحل توافقي وحيد لنزاع الصحراء.
بل إن البعض يذهب إلى اعتبار الصمت الجزائري “موقفًا بليغًا في حد ذاته”، باعتباره إقرارًا ضمنيًا بفشل محاولاتها السابقة في التأثير على مواقف الدول الأوروبية، والتي اختارت بشكل واضح ومباشر دعم المقترح المغربي، في انسجام مع قرارات مجلس الأمن ودعوات الأمم المتحدة.
موقف برتغالي واضح رغم محاولات التأثير
الموقف البرتغالي الأخير لم يكن مفاجئًا، لكنه حمل دلالات سياسية كبيرة في توقيته ونبرته، حيث جددت لشبونة دعمها الكامل للحكم الذاتي، معتبرة إياه “الحل الأكثر جدية ومصداقية”، وذلك في إعلان مشترك صدر عقب لقاء وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة ونظيره البرتغالي باولو رانجيل.
ويُذكّر هذا الموقف بموقف مماثل عبّرت عنه البرتغال سنة 2023، رغم محاولات جزائرية آنذاك للتأثير عليه، تمثلت في زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى لشبونة. لكن هذه المحاولة لم تؤتِ أكلها، وها هي البرتغال تعيد التأكيد على دعمها للمغرب بصيغة أقوى هذه المرة.
البوليساريو بين التشبيه بتيمور الشرقية والعزلة السياسية
في غياب بيان جزائري رسمي، لجأت “البوليساريو” إلى ما وصفه مراقبون بـ”الاستنجاد الرمزي” بتجربة تيمور الشرقية، داعية البرتغال إلى “الوفاء لمبادئها التاريخية في دعم الشعوب في تقرير المصير”. لكن هذا التشبيه سقط في الفراغ، أمام اختلاف السياقات والمعطيات الجغرافية والتاريخية والسياسية بين الحالتين.
بل إن هذا الخطاب جاء أقرب إلى التوسل السياسي منه إلى الرد الصارم أو الدفاع الحاد عن المواقف، في دليل إضافي على تآكل التأثير الدبلوماسي للجبهة على الساحة الأوروبية والدولية.
زخم دولي داعم للحكم الذاتي
ما يزيد من حرج موقف الجزائر والبوليساريو هو الزخم الدولي المتزايد نحو تبني مبادرة الحكم الذاتي كحل وحيد للنزاع، وهو ما أكدته أيضًا مقدونيا الشمالية قبل يوم فقط من الإعلان البرتغالي، معتبرة الحكم الذاتي المغربي الأساس الوحيد لتسوية النزاع.
وجاء ذلك في إعلان مشترك عقب لقاء وزير خارجية المغرب بنظيره المقدوني، حيث أكد الجانبان دعم قرارات مجلس الأمن الأخيرة، لا سيما القرار 2756 الصادر في أكتوبر 2024، والذي يشدد على ضرورة التوصل إلى حل سياسي واقعي قائم على التوافق.

