تشهد المدن المغربية الكبرى خلال الأسابيع الأخيرة طفرة نوعية في البنية التحتية الأمنية، بعد إطلاق مشاريع ضخمة تعتمد على تقنيات الذكاء الرقمي وأنظمة المراقبة الذكية، وذلك بهدف محاربة الجريمة، الحد من الازدحام، وضبط سلوكيات مستعملي الطريق. فشوارع ومحاور هذه الحواضر تعرف وتيرة متسارعة لتركيب مئات كاميرات المراقبة عالية الدقة، في إطار رؤية وطنية شاملة لتعزيز الأمن الحضري وتجديد طرق تدبير التدخلات الأمنية في مختلف المناطق الحيوية.
وتأتي هذه المشاريع بعد زيارات ميدانية متتالية لمسؤولين ترابيين وأمنيين كبار، قصد تحديد النقاط الحساسة والمعابر الاستراتيجية التي تستدعي مراقبة دقيقة على مدار الساعة. وقد عملت لجان تقنية مشتركة على دراسة شاملة للمسارات الرئيسية، بهدف ضمان تغطية بصرية موسعة تتيح مراقبة مستمرة للحركة داخل المدن.
وتتولى فرق تقنية متخصصة تركيب الأعمدة والمعدات الإلكترونية، بينما تشرف مصالح الأمن الوطني على تسيير هذه المنظومات عبر مراكز قيادة وتنسيق حديثة، مجهزة بحيطان ضخمة من الشاشات العملاقة المرتبطة بشبكات واسعة من كاميرات المراقبة. هذه المراكز مجهزة بأحدث تقنيات التدبير المعلوماتي، وتعمل على استقبال الصور والبث المباشر من أكثر من 900 كاميرا موزعة بدقة وفق رؤية أمنية محكمة، مع مخططات مستقبلية لرفع هذا العدد بشكل تدريجي.
ويمثل هذا النظام الذكي نقلة نوعية في تدبير الأمن الحضري، إذ يسمح بتتبع حركة السير في الزمن الحقيقي، التدخل السريع في حالات الطوارئ، رصد المخالفات، وتوثيق السلوكيات التي قد تشكل خطرا على سلامة المواطنين. كما تتميز الكاميرات الجديدة بقدرة عالية على التقاط الصور ليلا ونهارا، مع تقنيات للتعرف على لوحات السيارات وتحسين جودة الفيديو خلال الظروف الجوية الصعبة، بما في ذلك الأمطار والضباب.
ولا تقتصر هذه الدينامية على مدينة بعينها، بل تشمل عددا من الحواضر المغربية الكبرى مثل الرباط، مراكش، طنجة، فاس، وأكادير، حيث تم الشروع في مشاريع مماثلة لتطوير شبكات المراقبة الرقمية. ففي الرباط، تم إرساء منظومة متقدمة لتدبير حركة السير ومراقبة أهم المحاور الطرقية، بينما تتجه طنجة نحو تعزيز كاميرات التعرف الذكي على المركبات خاصة في المناطق الصناعية والمينائية. أما مراكش، التي تعرف حركة سياحية كبيرة، فهي تعتمد منذ سنوات على شبكة من الكاميرات تم تحديثها مؤخرًا لتأمين الفضاءات التي تستقطب السياح وزوار المدينة.
وتأتي هذه المشاريع استجابة لمطالب متزايدة من السكان الذين يدعون إلى تعزيز التدابير الأمنية والحد من عمليات السرقة والنشل التي تشهدها بعض المناطق المزدحمة. وقد ساهم انتشار كاميرات المحلات الخاصة في توثيق مجموعة من الجرائم، إلا أن وجود شبكة رقمية موحدة ومرتبطة مباشرة بمراكز القيادة سيسهم في رصد الأحداث بشكل أسرع وأكثر فعالية.
كما تهدف هذه المنظومات الذكية إلى تحسين تدبير حركة السير التي تُعد من أكبر التحديات في المدن الكبرى، إذ تتيح الكاميرات إمكانية رصد الاختناقات المرورية في الوقت الحقيقي، وتوجيه الفرق المختصة نحو النقاط المتوترة، إضافة إلى تعزيز التنسيق مع مصالح تدبير المرور للتحكم بشكل أفضل في الإشارات الضوئية وتنظيم انسياب العربات في ساعات الذروة.
ويُتوقع أن تُمكّن هذه الشبكات من دعم قدرات الخط الهاتفي 19 في تلقي نداءات النجدة، عبر دمج التدخلات الميدانية داخل فضاءات معلوماتية موحدة، تربط بين البيانات البصرية ووحدات الشرطة المنتشرة على الأرض. هذا التكامل سيتيح استجابة أسرع وأكثر دقة، ويوفر قاعدة معلومات تسهم في رفع فعالية التدخل الأمني.
كما تعمل المصالح المختصة على تطوير المنظومة الرقمية في أفق إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي، من خلال اعتماد كاميرات قادرة على تحليل المشاهد بشكل تلقائي واكتشاف السلوكات غير الطبيعية، مثل التجمعات غير المعتادة، ترك الأجسام المشبوهة، أو التحركات التي تستدعي تدخلا فوريا. ويمثّل هذا التوجه خطوة جديدة نحو ما يسمى بـ “الأمن الاستباقي”، الذي يعتمد على تحليل البيانات الضخمة والتوقعات الرقمية لتحديد النقاط التي قد تشهد ارتفاعا في معدلات الجريمة داخل المدن.
إن هذه المشاريع، التي تنتشر اليوم في أهم الحواضر المغربية، تعكس مرحلة جديدة من الحداثة الأمنية والرقمية، وتؤسس لمدن أكثر أمانا وانضباطا. كما تواكب التحولات العمرانية والديمغرافية التي تعرفها البلاد، وتستجيب لتطلعات المواطنين في فضاء حضري منظم ومؤمّن، يضمن لهم حرية الحركة والاطمئنان في كل لحظة ومكان.

