Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

غرفة العمليات أم قاعة أعراس؟!

لو لم تُنشر تلك الفيديوهات، لما صدّقنا أن غرفة العمليات في مستشفى مغربي قد تتحوّل إلى ما يشبه “صالة أفراح شعبية”… طاقم طبي يتمايل على إيقاع موسيقى chaâbi، وعيون ترقص أكثر من الأقدام، وكأن مشرط الجراح صار دفاً، ومقصّ الممرض صار كمنجة في يد عازف مزاجه رايق.

المشهد لم يكن حلماً ولا مشهداً من فيلم خيالي، بل حقيقة صُوّرت ونُشرت، وكأن لا حرمة لمكان، ولا ستر لمريض، ولا ضوابط لمهنة كانت تُعرف يوماً بأنها “إنسانية”.

صدمة؟ نعم، لكنها ليست الأولى

هل صدِمنا؟ نعم. هل فوجئنا؟ ربما لا. لأننا اعتدنا مؤخراً على أن كل ما هو غريب أصبح ممكنًا. أطباء في لايفات، ممرضون يرقصون على تيك توك، ونقاشات أخلاقية تُحلّ بعبارة “آش فيها؟”.

لكن هذه المرة، السقف كان أوطى من المعتاد. المريض تحت التخدير، وغرفة الجراحة تحوّلت إلى حفلة بدون ضيوف، فقط هاتف يُوثّق ما لا يجب توثيقه.

موسيقى في البلوك؟ لا مشكلة… لكن!

لنكن منصفين: الموسيقى في غرفة العمليات ليست بدعة مغربية، بل تُستعمل في مستشفيات مرموقة لتخفيف الضغط.

لكن لا أحد تحدّث عن الرقص على الشيخات أو اختيار أغاني الأعراس بدل الموسيقى الكلاسيكية أو الهادئة.

الفرق بين تهدئة الأعصاب وتحويل غرفة الجراحة إلى فرجة شعبية كبير جداً، ويقع في مساحة يُفترض أنها تُسمّى “الاحترام”.

الدكتور مهدي الشوكري كان واضحاً: “أنا أيضاً أضع موسيقى، لكن ليس chaâbi، وليس للرقص. هناك فرق بين التخفيف من التوتر، وبين التخفيف من العقل!”

ماذا يقول القانون؟ ببساطة: يُجرّم

المحامي سعيد النعوي، لم يترك مجالاً للتأويل: ما وقع ليس فقط سقطة أخلاقية، بل خرق صريح للقانون، تحديداً للفصل 447-1 من القانون الجنائي. نشر الفيديو دون إذن، وداخل مكان طبي حساس، هو ببساطة… جريمة.

لكن المشكلة ليست فقط في القانون، بل في الذوق، والضمير، والتكوين. لأن السؤال الذي يبقى معلقاً:

من سوّلت له نفسه تصوير هذا المشهد، ونشره، معتقداً أن لا أحد سيتضايق؟

عندما يغيب الطبيب… يرقص الطاقم!

من شاهد الفيديو عن كثب، سيلاحظ أن الراقصين ليسوا بالضرورة أطباء. بل ربما ممرضون أو مساعدو جراحة، استغلوا غياب الرقيب ليرفعوا الصوت ويخفضوا الهيبة.

فهل نحن أمام خلل فردي؟ أم أمام تساهل في التكوين والمراقبة والسلوك؟ وهل من المنطقي أن تترك للممرض مهمة “خياطة” المريض بينما يُنجز الآخرون مقاطع للترفيه؟

ربما لو كانت الموسيقى أقل صخباً، والضمير أكثر حضوراً، لما احتجنا لكل هذا الجدل. لكن ما حدث ليس مجرد نكتة أو زلة، بل مرآة لما يمكن أن يحدث في صمت دون كاميرا.

وإذا كنا قد رأينا فقط دقيقة واحدة مما يحدث خلف الجدران، فكم من دقيقة لم تُصوّر؟!

غرفة العمليات ليست مسرحاً، والمريض ليس “كومبارساً” في فيديوهات الترند.

ولو أن البلوك بدأ يتحوّل إلى “بلوك دانس”، فربما نحتاج إلى إدخال مادة جديدة في كليات الطب:

“فن التعامل مع الكاميرا تحت التخدير الكامل”… مع امتحان تطبيقي في الرقص الإكلينيكي.

Exit mobile version