أثار موضوع الخصاص الحاد في الأدوية الأساسية، وعلى رأسها أدوية التخدير، نقاشاً قوياً داخل مجلس المستشارين، بعدما دق الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية، ناقوس الخطر محذراً من التداعيات الخطيرة لهذا الوضع على سلامة المرضى واستمرارية الخدمات الصحية بالمستشفيات العمومية. واعتبر زيدوح أن واقع المنظومة الصحية يكشف عن اختلالات عميقة لم تعد قابلة للتبرير أو التأجيل، في ظل غياب أدوية حيوية مرتبطة مباشرة بحياة المواطنين.
وخلال تعقيبه على جواب وزير الصحة والحماية الاجتماعية، أكد الفريق أن الحديث عن توفر الأدوية ليس مسألة تقنية أو ظرفية، بل قضية بنيوية تمس جوهر الحق في العلاج. وأوضح أن عدداً كبيراً من المستشفيات العمومية يعرف غياب أدوية أساسية، ليس فقط في بعض الأصناف الثانوية، بل في أدوية موجهة لعلاج أمراض مزمنة وخطيرة، مثل داء السكري، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، إضافة إلى أدوية السرطان. وكشف أن عدد الأدوية غير المتوفرة يتجاوز 600 دواء، وهو رقم اعتبره مقلقاً ويعكس حجم الأزمة التي يعيشها القطاع.
وشدد الفريق على أن خطورة الوضع تتضاعف بالنسبة للمرضى المصابين بأمراض مزمنة، الذين يعتمدون بشكل يومي على هذه الأدوية لضمان استقرار حالتهم الصحية. واعتبر أن غيابها يشكل مساساً مباشراً بحقهم الدستوري في العلاج، ويدفعهم إلى معاناة إضافية، سواء من خلال اضطرارهم لاقتناء الأدوية من القطاع الخاص بأثمان مرتفعة، أو بسبب توقف العلاج وما يترتب عنه من مضاعفات صحية خطيرة.
وفي تحليله لأسباب هذا الخصاص، تساءل الفريق عن العوامل الحقيقية الكامنة وراء استمرار هذه الاختلالات، مشيراً إلى أن ضعف هامش الربح في بعض الأدوية الأساسية يجعل عدداً من الفاعلين الاقتصاديين يعزفون عن تسويقها أو إنتاجها، ما يؤدي إلى انقطاعها من السوق. واعتبر أن الدولة تتحمل مسؤولية مركزية في هذا المجال، خاصة بعد تراجع دورها المباشر في استيراد وتوفير بعض الأدوية، وترك المجال بشكل شبه كامل لمنطق السوق والقطاع الخاص.
وأكد أن منطق الربح لا يمكن أن يكون المحدد الوحيد في قطاع حيوي وحساس كالصحة، داعياً الدولة إلى استعادة دورها التنظيمي والرقابي، وضمان حد أدنى من التوفر بالنسبة للأدوية ذات الطابع الاجتماعي، حتى وإن كانت غير مربحة تجارياً. كما دعا إلى تشجيع الإنتاج الوطني للأدوية الأساسية، معتبراً أن الأمن الدوائي أصبح ضرورة استراتيجية لا تقل أهمية عن الأمن الغذائي أو الطاقي.
وسلط الفريق الضوء بشكل خاص على النقص الحاد في أدوية التخدير “البنج”، معتبراً أن هذا الخصاص يشكل خطراً مباشراً على حياة المرضى ويعرقل إجراء العمليات الجراحية داخل المستشفيات العمومية. وأكد أن المعطيات التي يتوفر عليها دقيقة، وأن مشكل البنج لم يعد حالة معزولة، بل أصبح واقعاً يومياً في عدد من المؤسسات الصحية. وتساءل بلهجة حادة عن كيفية إجراء عمليات جراحية أو علاج المرضى في غياب أدوية التخدير، معتبراً أن الأمر يهدد سلامة المرضى ويقوض الثقة في المستشفى العمومي.
واعتبر الفريق أن هذا الوضع يكرس نوعاً من المنافسة غير المتكافئة بين القطاعين العام والخاص، حيث يجد المواطن نفسه مضطراً للتوجه نحو المصحات الخاصة بسبب غياب العلاج في المستشفى العمومي، وهو ما يمس بمبدأ تكافؤ الفرص ويعمق الفوارق الاجتماعية في الولوج إلى العلاج.
في المقابل، أكد وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي أن الحكومة واعية بحجم التحديات التي تواجه المنظومة الصحية، سواء على مستوى الموارد البشرية أو توفر الأدوية. وأبرز أن الوزارة تعمل على إصلاحات هيكلية تهدف إلى تعزيز الأمن الصحي، من خلال إحداث الوكالة المغربية للأدوية والمنتجات الصحية، وتسريع مساطر الترخيص والمراقبة، وتتبع المخزون، ودعم الصناعة الوطنية.
وأوضح الوزير أن ضمان توفر الأدوية وجودتها خيار استراتيجي مرتبط بثقة المواطنين، مشيراً إلى إطلاق ورش رقمي لتتبع مساطر الترخيص وتعزيز اليقظة الدوائية، إضافة إلى إحداث مرصد وطني للأدوية لرصد اختلالات التزويد بشكل مبكر. كما أعلن عن إجراءات استعجالية لتعزيز المخزون الاستراتيجي، وتسريع التزويد لفائدة المؤسسات الصحية التي تعرف خصاصاً، مع توزيع كميات مهمة من الأدوية والمستلزمات الطبية على عدد من الجهات.
ورغم هذه التوضيحات، يبقى الجدل قائماً بين التحذيرات البرلمانية من وضع مقلق يهدد حق المواطنين في العلاج، وبين وعود حكومية بإصلاحات تدريجية تراهن على الزمن. وبين هذا وذاك، يظل المريض في قلب الأزمة، ينتظر حلولاً ملموسة تعيد الاعتبار للمستشفى العمومي وتضمن له العلاج الآمن وفي الوقت المناسب.

