– عبد الرفيع حمضي
كل من تابع مسلسل “ليالي الحلمية” لم يكن يعرف كيف ستنتهي الحكاية. كانت كل حلقة تفتح احتمالا جديدا، وكانت الشخصيات تتغير مع تغير الزمن، تصعد وتهبط، تنتصر وتخسر، بينما ظلت النهاية ملكا للأحداث حتى المشهد الأخير. وربما كان ذلك أحد أسرار خلود هذا العمل الرائع.
أما في السياسة، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يقتنع الناس بأن الحلقة الأخيرة كُتبت قبل أن يبدأ المسلسل، وأن النهاية أصبحت معروفة قبل أن يفتح صندوق الاقتراع.
اليوم يطرح نفس السؤال ،من يكتب الحلقة الأخيرة للانتخابات المقبلة؟ هل يكتبها الناخب يوم الاقتراع، أم تكتبها التوقعات والصالونات والأحاديث التي تسبق الانتخابات بأشهر؟
في الآونة الأخيرة، تردد اسم فوزي لقجع في عدد من النقاشات والتكهنات المتعلقة برئاسة الحكومة المقبلة. والقضية هنا ليست في شخص الرجل، ولا في كفاءته أو أهليته لتولي مسؤوليات أكبر.
لان السؤال الحقيقي لا يتعلق بمن يستطيع أن يصبح رئيسا للحكومة، بل بكيفية الوصول إلى هذا المنصب، وبالمعنى الذي الذي يحتفظ به المواطن في دهنه عن العملية الانتخابية . وبالتالي فالأمر لا يتعلق بمستقبل رجل، وإنما بمستقبل فكرة الشرعية السياسية التي لا تستمد قوتها من الأسماء المتداولة، ولا من التوقعات الرائجة، بل من إرادة الناخبين.
اعتقد ان عمق الاشكال هو أننا خلطنا، بين المسار الديمقراطي والمسار الانتخابي. ففي علم السياسة، الانتخابات ليست هي الديمقراطية، بل إحدى آلياتها. أما الديمقراطية، فهي منظومة أوسع تقوم على قوة المؤسسات، والتعددية السياسية، وتداول النخب، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وثقة المواطن في أن صوته قادر على صناعة القرار. في حين أن النقاش العمومي في المغرب اختزل، تدريجيا، هذا المسار بأكمله في الانتخابات وحدها. والأخطر من ذلك أن عدوى الاختزال امتدّت إلى الانتخابات نفسها، فترسخ لدى المواطن الانطباع بأن الاختيارات الكبرى قد حسمت قبل فتح صناديق الاقتراع، وأن دوره لم يعد الاختيار بل المصادقة على ما تقرر سلفا. عندها لا تتضرر الانتخابات وحدها، بل تتآكل الثقة في العملية الديمقراطية برمتها.
ومن زاوية أخرى، فإن النقاش الدائر اليوم لا يخلو من مفارقة سياسية. فالتجربة المغربية توحي بأن رئاسة الحكومة تتويج لمسار طويل، يضع صاحبها في أعلى درجات المسؤولية، لكنه يجعله أيضا أكثر عرضة للاستهلاك السياسي. لذلك، فإن الدفع المبكر بأي اسم إلى هذا الموقع قد لا يكون دائما خدمة له.
ومن هنا، يصبح النقاش حول اسم فوزي لقجع بتجاوز شخصه. فهو يتعلق، في الجوهر، بكيفية حماية معنى الانتخابات، والحفاظ على الثقة في أن الشرعية لا تنتجها التوقعات ولا التسريبات، وإنما ينتجها صندوق الاقتراع لا غير .
وبين ما يقال وما لا يقال… فالديمقراطية لا تهددها الأسماء الكبيرة، بل يخيفها أن يعتقد الناس أن الحلقة الأخيرة كُتبت قبل أن يبدأ العرض.

