مع اقتراب عيد الفطر تدخل المدن والقرى المغربية في حالة استثنائية من الحركة. الأسواق تنتعش، والآباء والأمهات يتدفقون على محلات الملابس، والأطفال يترقبون بلهفة تلك اللحظة التي يرتدون فيها ملابسهم الجديدة صباح العيد. غير أن هذا المشهد الاحتفالي يخفي خلفه ظاهرة اجتماعية أصبحت أكثر حضوراً في السنوات الأخيرة: كسوة العيد.
في الثقافة المغربية، ارتداء الجديد يوم العيد تقليد قديم يتجاوز مجرد المظهر. إنه طقس رمزي يعكس معنى الفرح الجماعي والانتماء إلى لحظة احتفال يشترك فيها الجميع. فالطفل الذي يخرج بلباس جديد لا يشعر فقط بالسعادة، بل يشعر أيضاً بالمساواة مع أقرانه، وكأن المجتمع يعلن في ذلك اليوم هدنة مع الفوارق الاجتماعية.
لكن التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المغرب في العقود الأخيرة جعلت هذا الطقس البسيط يتحول إلى قضية تضامن اجتماعي. فقد أصبحت كسوة العيد موضوع مبادرات خيرية واسعة تنظمها الجمعيات والمحسنون، وأحياناً المؤسسات التعليمية والفاعلون المحليون. آلاف الأطفال يحصلون كل سنة على ملابس جديدة بفضل هذه الحملات التي تسعى إلى إدخال الفرحة إلى بيوت قد لا تسمح ظروفها المادية بتحمل تكاليف إضافية.
هذا المشهد التضامني يحمل في طياته مفارقة واضحة. فمن جهة، يعكس قوة الروابط الاجتماعية في المجتمع المغربي واستمرار ثقافة التكافل التي تميز بنيته التقليدية. ومن جهة أخرى، يكشف بشكل غير مباشر عن اتساع دائرة الهشاشة الاجتماعية، حيث أصبحت ملابس العيد نفسها جزءاً من المساعدة الخيرية بالنسبة لعدد من الأسر.
كما أن هذه المبادرات، رغم نبل مقاصدها، تطرح أحياناً إشكالاً أخلاقياً يتعلق بكيفية تقديم العمل الخيري. فانتشار وسائل التواصل الاجتماعي جعل بعض حملات كسوة العيد تتحول إلى صور وفيديوهات توثق لحظات التوزيع، وهو ما قد يضع المستفيدين في وضع حرج ويجعل التضامن أقرب إلى عرض اجتماعي منه إلى فعل إنساني هادئ.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار الأثر النفسي العميق لهذه المبادرات. ففرحة طفل بملابس جديدة صباح العيد قد تكون لحظة تختزل معنى التضامن كله. في تلك اللحظة القصيرة تختفي الحسابات الاقتصادية وتبقى ابتسامة صادقة تعيد الاعتبار لفكرة المجتمع المتكافل.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه يتجاوز المناسبة نفسها. فالتضامن الموسمي، مهما كان مهماً، لا يمكن أن يعوض الحاجة إلى سياسات اجتماعية تضمن الكرامة الاقتصادية للأسر بشكل دائم. لأن المجتمع الذي يضطر إلى تنظيم حملات لتوفير ملابس العيد لأطفاله، هو مجتمع يواجه تحديات أعمق تتعلق بالعدالة الاجتماعية وتوزيع الفرص.
هكذا تتحول كسوة العيد من مجرد مبادرة إنسانية إلى مرآة اجتماعية تعكس ملامح التحول داخل المجتمع المغربي: تضامن حيّ ما زال يقاوم، وفوارق اجتماعية تتسع بصمت. وبين الاثنين يظل الطفل المغربي، بملابسه الجديدة صباح العيد، شاهداً صغيراً على قصة مجتمع يبحث عن توازن بين الفرح والعدالة

