ليست كل الانتصارات تُقاس بعدد الأهداف، فهناك مباريات تتحول إلى محطات تاريخية، تبقى راسخة في ذاكرة الشعوب قبل أن تُحفظ في سجلات كرة القدم. وما فعله المنتخب المغربي أمام هولندا في دور الـ32 من كأس العالم 2026 ينتمي إلى هذا النوع من المباريات؛ مواجهة جسدت شخصية منتخب يرفض الاستسلام، ويؤمن بأن صافرة النهاية وحدها من تملك حق إعلان سقوطه.
حين سجلت هولندا هدفها، اعتقد كثيرون أن الحلم المغربي بلغ نهايته، لكن “أسود الأطلس” كانوا يملكون رأياً آخر. لم يفقدوا هدوءهم، ولم يتخلوا عن أسلوبهم، بل واصلوا الضغط والإيمان حتى جاءت الدقيقة التسعون، حين انفجر عيسى ديوب بهدف أعاد الحياة إلى منتخب بأكمله، وأشعل فرحة ملايين المغاربة داخل الوطن وخارجه.
في الأشواط الإضافية، لم يكن المغرب مجرد منتخب يدافع عن آماله، بل كان الطرف الأكثر جرأة والأكثر رغبة في حسم التأهل. سيطرة واضحة، ضغط متواصل، وشخصية قوية أمام أحد أكثر المنتخبات الأوروبية خبرة. وحتى عندما باغت المنتخب الهولندي العناصر الوطنية بهدف جديد، لم تنكسر الروح القتالية، بل عاد اللاعبون من جديد إلى المواجهة، مؤكدين أن هذا الجيل لا يعرف الاستسلام.
أما محمد وهبي، فقد قدم واحدة من أبرز مبارياته على رأس الإدارة التقنية للمنتخب الوطني. قراءة جيدة للمباراة، تعامل هادئ مع الضغوط، وإيمان بخياراته حتى النهاية، ليخرج منتصراً في معركة تكتيكية مع مدرب بحجم رونالد كومان.
وعندما وصلت المباراة إلى ركلات الترجيح، لم يكن الأمر مجرد اختبار للأعصاب، بل امتحاناً لشخصية منتخب كامل. هناك، انتصر الإيمان قبل المهارة، وربح المغرب رهان التأهل، ليعلن استمرار رحلته في المونديال ويؤكد أن ما تحقق في قطر لم يكن صدفة، بل امتداد لمشروع كروي ينضج عاماً بعد آخر.
هذا المنتخب لا يحقق الانتصارات فقط، بل يعيد تشكيل صورة الكرة المغربية أمام العالم. إنه منتخب يلعب بثقة، ينافس الكبار دون عقدة، ويجعل الجماهير تؤمن بأن المستحيل ليس سوى كلمة يمكن إسقاطها فوق المستطيل الأخضر.
قد يكون الطريق نحو المجد العالمي لا يزال طويلاً، لكن ما قدمه “أسود الأطلس” أمام هولندا يؤكد أن المغرب لم يعد ضيفاً على كأس العالم، بل أصبح رقماً صعباً في معادلة الكرة العالمية، ومنتخباً يحسب له الجميع ألف حساب.

