Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

مارسيليا بين مطرقة التحول وسندان التفريط.. هل هناك من رؤية شاملة؟

 

ليست هذه أول مرة يتخلى فيها أولمبيك مارسيليا عن لاعبين بشكل مفاجئ، لكنها ربما من المرات النادرة التي يتحوّل فيها مشروع “التنظيم” إلى ما يشبه خطة “تفريغ”، دون أن تظهر في الأفق ملامح استراتيجية مكتملة.
أمام أعيننا، يتحوّل اسم مثل أمين حارث إلى “عبء تكتيكي”، ويتم تصنيف عز الدين أوناحي، العائد من تجربة إعارة ناجحة، ضمن “غير القابلين للاستثمار الرياضي”، رغم كل المؤشرات التي تقول عكس ذلك. فهل نحن أمام إعادة هيكلة حقيقية أم أمام موجة ارتجال تقني مغلف بخطاب التجديد؟
بقدوم روبرتو دي زيربي، ظنّ كثيرون أن مارسيليا دخل طورًا جديدًا من التوازن بين “المشروع الفني” و”الرؤية المؤسسية”، غير أن المؤشرات الحالية تُظهر العكس. إذ سرعان ما تم وضع قائمة طويلة من الأسماء في خانة “غير المرغوب فيهم”، ليس بناءً على ضعف تقني واضح أو إخلال انضباطي، بل فقط لأنهم لا يناسبون الخطة.
لكن هل كل مشروع جديد يتطلب بالضرورة نسف ما قبله؟ وهل يُعقل أن نبدأ من الصفر كلما غيّر النادي مدربه؟ حين يصبح كل تغيير تقني مبررًا لإعادة ترتيب جذرية في الموارد البشرية، فإن المسألة لا تتعلق فقط بالرؤية الرياضية، بل بعدم وجود سياسة استقرار واضحة في عمق المؤسسة.
لطالما مثّل حارث نموذج اللاعب الذي يملك إمكانيات فنية مميزة، لكنه يحتاج إلى إطار تكتيكي منضبط ليُفجّر طاقاته. ومع كل مدرب يمر على مارسيليا، يتغير موقعه ودوره، وكأن اللاعب مطالب بالتأقلم مع كل “نزعة تدريبية” جديدة، دون أن يُمنح وقتًا كافيًا للاندماج.
اللافت أن مشاركاته كانت منتظمة نسبيًا، لكن الحكم النهائي أتى سريعًا: لا مكان له في منظومة دي زيربي. وكأن الأمر لا يتعلق بأداء اللاعب، بل بفلسفة لا تتسامح مع من لا يدخل في قوالبها المحددة سلفًا.
ما يثير التساؤل أكثر هو مصير عز الدين أوناحي. فالمغربي، الذي تألق في كأس العالم وأبان عن حس تكتيكي نادر، قدّم موسمًا محترمًا رفقة باناثينايكوس. ومع ذلك، لم يكن ذلك كافيًا لإعادة إدماجه في مشروع مارسيليا، بل تحوّل اسمه إلى ورقة لبيع، مشفوعة برغبة الإدارة في استرجاع “عشرة ملايين يورو”.
في هذا القرار نكتشف تحولًا مقلقًا: أصبح المعيار ليس الأداء أو التطور، بل الجدوى المالية الآنية. كأن النادي قرر أن لا يراهن على صقل المواهب، بل على إعادة بيعها، حتى ولو كانت قابلة للعطاء.
المثير للقلق في كل ذلك هو غياب مؤشرات واضحة على وجود توازن بين الإدارة التقنية والإدارة العامة. هل يخطط المدرب وحده؟ أم أن هناك خلية استراتيجية تُقيم وتُقرر بعيدًا عن المزاج الفني؟ حين يغيب هذا الانسجام، يصبح مصير اللاعبين – مهما كانت قيمتهم – رهينًا بأمزجة ظرفية لا تخضع لتقدير بعيد المدى.
ما يفعله مارسيليا اليوم لا يبدو كعملية إعادة بناء، بل أقرب إلى “تنظيف خشن” دون خطة إعادة إعمار. القرارات المتخذة بشأن حارث وأوناحي لا تعكس فقط رؤية فنية، بل تكشف عن أزمة أعمق في منطق تدبير الموارد البشرية داخل الأندية: هل اللاعب مشروع رياضي طويل الأمد؟ أم سلعة تُشترى وتُباع حسب الحاجة؟
إن لم يُجب مارسيليا عن هذا السؤال الآن، فسيُعيد طرحه لاحقًا… لكن بثمن أعلى.
Exit mobile version