لم يعد المشهد الفنزويلي مجرد أزمة سياسية مزمنة، بل تحول إلى مسرح مفتوح على كل الاحتمالات، بعد إعلان الإدارة الأميركية تنفيذ عملية عسكرية واسعة قالت إنها أفضت إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما إلى خارج البلاد، دون تقديم أدلة قاطعة أو تفاصيل دقيقة حول مسار العملية أو مصير الرجل الذي ظل لعقدٍ رمزاً للانقسام الحاد في أميركا اللاتينية.
هذا الإعلان، الذي صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أحدث زلزالاً سياسياً وإعلامياً، ليس فقط في فنزويلا بل في كامل الإقليم، إذ بدا وكأنه ينسف — بضربة واحدة — مبدأ سيادة الدولة الذي طالما شكّل خطاً أحمر في العلاقات الدولية. غير أن المفارقة الكبرى لم تكمن في جرأة القرار، بل في الفراغ المعلوماتي الذي أعقبه، حيث خرجت نائبة الرئيس الفنزويلي لتؤكد أن حكومتها لا تعلم شيئاً عن مكان وجود مادورو، مطالبةً الإدارة الأميركية بـ«دليل يثبت أنه ما زال على قيد الحياة».
غموضٌ يربك الداخل ويشعل الخارج
في دولةٍ تعيش أصلاً على حافة الاحتقان الاجتماعي والاقتصادي، بدا غياب المعلومة أخطر من وقع الرصاصة. فوزارة الداخلية الفنزويلية اكتفت بإعلان انتشار قوات الأمن في الشوارع ودعوة المواطنين إلى الهدوء، بينما تواصلت تقارير — غير مستقلة — عن سقوط قتلى في صفوف العسكريين والمدنيين، ما عمّق إحساس الشارع بأن البلاد دخلت منطقة اللاعودة.
أما القطاع النفطي، القلب الاقتصادي لفنزويلا، فقد حافظ على لغة الطمأنينة؛ إذ أكدت الشركة الحكومية أن الإنتاج والتكرير يسيران «بشكل طبيعي»، في محاولة لعزل المورد الأكثر حساسية عن صدمة السياسة ودخان الحرب.
الإقليم يغلي… والدبلوماسية تستدعي مجلس الأمن
لم تتأخر ردود الفعل. فالرئيس الكولومبي غوستافو بيترو أعلن رفضه القاطع لأي عدوان على سيادة فنزويلا، مع نشر قوات على الحدود تحسباً لتدفق اللاجئين، بينما نددت كوبا بالعملية ووصفتها بـ«الإرهاب الإجرامي للدولة الأميركية». وفي موسكو، صدرت إدانةٌ شديدة اللهجة أكدت أن أميركا اللاتينية يجب أن تبقى «منطقة سلام»، وأن فنزويلا وحدها صاحبة الحق في تقرير مصيرها دون تدخلٍ عسكري خارجي.
وفي المقابل، تبنى الاتحاد الأوروبي موقفاً أكثر براغماتية؛ إذ أكدت مفوضة السياسة الخارجية كايا كالاس متابعة الوضع عن قرب، مشيرة إلى أن مادورو «يفتقر إلى الشرعية»، مع التشديد — ولو نظرياً — على ضرورة احترام ميثاق الأمم المتحدة والدفع نحو انتقالٍ سلمي للسلطة.
صراع الروايات… وصراع المبادئ
حتى اللحظة، تبقى العملية العسكرية المعلنة دون إثبات مستقل، بين رواية أميركية تبحث عن فرض واقع سياسي بالقوة، ورواية فنزويلية تلوّح بسلاح الإنكار والغموض، بينما تتوزع مواقف العالم بين من يرى في مادورو رئيساً شرعياً اختُطف، ومن يعتبره حاكماً فقد شرعيته منذ زمن.

