يشهد سوق الأعلاف المركبة الموجهة لتربية الدواجن بالمغرب مرحلة دقيقة من المراقبة والتدقيق، بعدما أقدمت مصالح التحقيق والبحث التابعة لمجلس المنافسة، يوم الخميس، على تنفيذ سلسلة من الزيارات الفجائية والحجوزات المتزامنة لدى خمسة فاعلين بارزين في هذا القطاع الحيوي، إضافة إلى الأسواق المرتبطة به، وخاصة سوق الكتاكيت الذي يشكل أحد الأعمدة الأساسية للدورة الإنتاجية داخل سلسلة قطاع الدواجن. وتأتي هذه العمليات في سياق توجّه رقابي متصاعد من قبل المجلس، الذي كثّف خلال السنتين الأخيرتين من تحركاته في عدة أسواق يُشتبه في عدم احترامها لقواعد المنافسة الحرة.
الخطوة التي كشف عنها المجلس في بلاغ رسمي، تُعد من الإجراءات الاستثنائية التي يلجأ إليها الجهاز حين تبرز شبهات قوية تتعلق بإمكانية وجود اتفاقات سرية أو ممارسات منسقة بين الفاعلين الاقتصاديين، من شأنها التأثير سلباً على الأسعار أو على شروط الولوج إلى السوق. وقد تم تنفيذ هذه العمليات بناءً على ترخيص قضائي صادر عن وكيل الملك، وبتنسيق دقيق مع ضباط الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، بما يضمن احترام المساطر القانونية المنصوص عليها في المادة 72 من القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة.
وتشير معطيات البلاغ إلى أن الهدف من هذه الزيارات المفاجئة ليس إصدار حكم مسبق حول وقوع مخالفات، وإنما جمع ما يلزم من الأدلة والوثائق والبيانات التي تسمح بفهم طبيعة العلاقات التجارية بين الفاعلين المعنيين، ومدى التزامهم بالقواعد التي يفرضها القانون لضمان منافسة سليمة وشفافة. فمجلس المنافسة شدد بوضوح على أن اللجوء إلى إجراء الزيارة والحجز لا يعني إطلاقاً ثبوت الممارسات المشتبه فيها أو وجود خرق فعلي لقواعد المنافسة، بل يُعد مجرد خطوة أولية ضمن مسار قانوني طويل ومعقّد.
ويبرز هذا التوضيح كجزء من توجه المجلس نحو الالتزام التام بمبدأ قرينة البراءة، إذ أكد أن الهيئات التداولية داخله هي وحدها المخوّلة لإصدار القرار النهائي بعد انتهاء التحقيقات، وفقط بعد تطبيق المسطرة التواجهية التي تضمن للأطراف المعنية كامل حقوق الدفاع، بما في ذلك تقديم مذكراتهم وتوضيحاتهم والرد على الحجج التي قد تُثار ضدهم. ويُعد هذا المسار القضائي الإداري أحد الضمانات الأساسية التي جاء بها القانون المغربي لضمان عدالة المراقبة الاقتصادية وتحصينها من أي انزلاق محتمل.
وفي خطوة تهدف إلى حماية سمعة الشركات المعنية وضمان عدم إلحاق أي ضرر بها قبل اتضاح الحقائق، امتنع المجلس عن الكشف عن هويات الفاعلين الخمسة، كما لم يكشف عن طبيعة الشبهات أو الممارسات موضوع التحقيق. ويأتي هذا الامتناع انسجاماً مع القواعد الدولية المتعارف عليها في مجال المنافسة، حيث يُعتبر الإفصاح عن هوية الشركات قبل استكمال التحقيقات أمراً قد يسيء إلى وضعها في السوق، ويخلق انطباعات سلبية يصعب تصحيحها لاحقاً حتى في حال ثبوت براءتها.
وتسلط هذه العملية الضوء من جديد على الدور المحوري الذي يلعبه مجلس المنافسة داخل المنظومة الاقتصادية الوطنية. فالمجلس، الذي تحددت صلاحياته بشكل واضح عقب إصلاحات قانونية مهمة، يتوفر على مصالح متخصصة في البحث والتحقيق، وتعد من بين مهامها الأساسية مراقبة الممارسات المنافية للمنافسة، وكذلك تتبع عمليات الاندماج الاقتصادي التي قد تفضي إلى وضعيات احتكارية أو شبه احتكارية. كما تتمتع هذه المصالح بصلاحيات واسعة تتيح لها تنفيذ زيارات فجائية وحجوزات ميدانية، وهي آليات أثبتت فعاليتها على المستوى الدولي في كشف التواطؤات السرية واتفاقات الأسعار التي غالباً ما يصعب رصدها عبر الوثائق الرسمية التقليدية.
وتكتسي عمليات الزيارة الفجائية والحجز أهمية خاصة لأنها تتيح للسلطات الرقابية إمكانية الاطلاع المباشر على البيانات المحاسباتية، والمراسلات الداخلية، ومختلف الوثائق ذات الصلة بنشاط الشركات، مما يسهم في بناء صورة دقيقة عن طبيعة العلاقات بين الفاعلين في السوق. وغالباً ما تكون هذه الأدوات حاسمة في الكشف عن الممارسات المنافية للمنافسة، نظراً لأن العديد من هذه الممارسات تُدار بطرق غير رسمية أو من خلال تنسيق غير مكتوب يصعب إثباته دون الحصول على أدلة مادية مباشرة.
ويأتي اختيار سوق أعلاف الدواجن، ومعه سوق الكتاكيت، ليكون موضوع هذه العمليات الرقابية لاعتبارات ترتبط بالحساسية الاقتصادية والاجتماعية لهذا القطاع. فمن المعروف أن تربية الدواجن تشكل أحد أهم الأنشطة الفلاحية والصناعية بالمغرب، وأن أعلاف الدواجن تمثل الجزء الأكبر من تكلفة الإنتاج. وبالتالي، فإن أي تأثير غير مشروع على أسعار الأعلاف أو شروط التزود بها ينعكس بشكل مباشر على أسعار بيع الدواجن والبيض في السوق الوطنية، وهما مادتان حيويتان في النظام الغذائي للمغاربة. كما أن أي اختلال في سوق الكتاكيت، الذي يعتبر الحلقة الأولى في سلسلة الإنتاج، يؤدي بدوره إلى اضطرابات واسعة قد تمس استقرار الأسعار وتوازن العرض والطلب.
وقد شهد هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة تذبذبات قوية في الأسعار، سواء بسبب عوامل مرتبطة بالسوق العالمية للحبوب أو نتيجة تأثيرات داخلية، وهو ما جعل منه مجالاً حساساً يستدعي مراقبة دقيقة وعادلة لضمان بقاء المنافسة مفتوحة وشفافة. ويعتقد عدد من المهنيين أن تعزيز دور مجلس المنافسة يمكن أن يلعب دوراً مهماً في منع أي ممارسات قد تؤثر على استقرار السوق وتنافسيتها.
وتشير العمليات الأخيرة إلى تحوّل في نهج المجلس نحو مزيد من الصرامة واليقظة، خاصة في القطاعات التي تُعتبر استراتيجية للأمن الغذائي الوطني. وإذا كانت التحقيقات الحالية لا تزال في مراحلها الأولى، فإنها تعكس رغبة واضحة في عدم التسامح مع أي ممارسات من شأنها الإضرار بحقوق المستهلكين أو الحد من حق المقاولات في المنافسة العادلة. كما أنها تؤكد أن المجلس أصبح يعتمد مقاربة استباقية تتسم بالتحرك الميداني المباشر، بدل الاكتفاء بتحليل الشكايات أو مراقبة الوثائق الرسمية.
وتساءل خبراء و مهنييون ما إذا كانت هذه العمليات ستفضي إلى كشف ممارسات حقيقية منافية لقواعد المنافسة، أم ستثبت في نهاية المطاف براءة الفاعلين المعنيين. وفي كلتا الحالتين، يشكل التحرك بحد ذاته رسالة واضحة إلى سوق الأعلاف وسائر الأسواق المرتبطة بالدواجن، مفادها أن التلاعب أو التواطؤ أو التنسيق غير المشروع لن يمر دون تدقيق، وأن السلطات الرقابية تتوفر على الوسائل القانونية الكفيلة بالتدخل متى دعت الضرورة.
ومهما تكن مآلات هذه التحقيقات، فإنها تؤسس لمرحلة جديدة من التعاطي الصارم مع كل ما يهم المنافسة في القطاعات الحساسة، وتؤشر في الآن ذاته على أن مجلس المنافسة يتحول تدريجياً إلى فاعل مؤثر داخل المشهد الاقتصادي، قادر على توجيه رسائل قوية للمتعاملين وعلى فرض احترام القانون بما يضمن التوازن بين حماية المستهلك وتشجيع المبادرة الاقتصادية.
مجلس المنافسة يحقق في اختلالات سوق أعلاف الدواجن

