مصطفى المنوزي
ليس الغرض من استعادة مسار السياسة التشريعية في مجال العدالة خلال السنوات الأخيرة محاكمة شخص وزير العدل، ولا اختزال أزمة مركبة في إرادة فرد، بقدر ما هو محاولة لفهم تحول أعمق في بنية السلطة داخل منظومة العدالة، واستشراف ما يمكن أن يترتب عنه إذا تحولت بعض الاختيارات الظرفية إلى قواعد دائمة قابلة لإعادة الإنتاج ، فالأشخاص يغادرون مواقعهم، أما القوانين والمؤسسات والممارسات والسرديات التي يتركونها وراءهم فقد تعمر طويلاً بعد رحيلهم.
من فقدان سلطة إلى إعادة توزيع النفوذ :
منذ انتقال رئاسة النيابة العامة من وزير العدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، تغير موقع الوزارة داخل منظومة العدالة تغيراً جوهرياً. فقد الوزير جزءاً مهماً من السلطة المباشرة التي كان يمارسها تاريخياً على النيابة العامة، كما تغير موقعه داخل الهندسة المؤسساتية الجديدة للسلطة القضائية ؛ ولا يعني ذلك بالضرورة أن السياسة التشريعية اللاحقة كانت مجرد محاولة واعية لتعويض سلطة مفقودة؛ فذلك حكم على النيات قد يصعب إثباته، لكن التفكير النقدي يجيز طرح فرضية تستحق الفحص: هل أدى انكماش مجال السلطة المباشرة لوزارة العدل داخل القضاء إلى انتقال مركز ثقل تدخلها نحو المجال التشريعي والتنظيمي، ولا سيما تجاه المهن القانونية وشبه – القضائية ذات التنظيم الذاتي؟
إنها فرضية لا تختبر بالخطابات وحدها، وإنما بتتبع مسار التشريع ومصير القوانين، وطبيعة الضمانات التي توسعت أو تقلصت، وحدود التنظيم الذاتي التي أعيد رسمها، وكيفية إدارة العلاقة بين الوزارة والفاعلين المهنيين. ومن هذه الزاوية يصبح قانون المحاماة رقم 66.23 حلقة ضمن سياق أوسع، وليس واقعة تشريعية معزولة .
حين تصبح المهن المستقلة مجالاً لإعادة بناء السلطة :
بعد استقلال السلطة القضائية مؤسساتياً، بقيت لوزارة العدل اختصاصات مهمة في تدبير الإدارة القضائية والسياسة التشريعية والعلاقة مع المهن القانونية والقضائية ، غير أن الإشكال يبدأ عندما تتحول العلاقة مع هذه المهن من التواصل والتنظيم المشترك إلى نزوع نحو إعادة تعريف حدود استقلالها وتنظيمها الذاتي من الخارج ، والمحاماة هنا ليست مجرد قطاع مهني يدافع عن امتيازاته ؛ إنها أحد الفاعلين داخل منظومة العدالة، واستقلالها ليس امتيازاً ممنوحاً للمحامي بقدر ما هو ضمانة للمتقاضي ولحق الدفاع والمحاكمة العادلة ؛ لذلك فإن السؤال الذي كان ينبغي أن يصاحب إصلاح قانون المهنة ليس: كيف تخضع المحاماة لمنطق أكثر إحكاماً في الضبط؟ بل: كيف نرفع مسؤوليتها ومساءلتها من دون إضعاف استقلالها، وكيف نصلح تنظيمها الذاتي من دون تحويل الإصلاح إلى وصاية؟
وهذا الفرق هو الذي يميز دولة المؤسسات عن مجرد إدارة القطاعات .
ليست القوانين منفصلة :
يصبح التحليل أكثر دلالة حين نضع قانون المحاماة بجوار تحولات تشريعية أخرى مست السياسة الجنائية والمسطرتين الجنائية والمدنية، والنقاش حول تجريم الإثراء غير المشروع، والولوج إلى القضاء، ثم الإطار الزمني لممارسة الدفع بعدم دستورية القوانين ، فلا يكفي، بطبيعة الحال، تجميع هذه الوقائع لإثبات وجود «مخطط» واحد؛ فالتفكير النقدي لا يعوض الإثبات بالريبة ؛ لكن اجتماعها يبرر سؤالاً مشروعاً: هل نحن أمام إصلاحات قطاعية متفرقة، أم أمام اتجاه تشريعي تتغير داخله، تدريجياً، العلاقة بين السلطة والضمانة، وبين الضبط والحق، وبين الدولة والمؤسسات الوسيطة؟
إن الجواب عن هذا السؤال يحتاج إلى تقييم تشريعي شامل لا يقيس كل قانون بمفرده فقط، بل يدرس الأثر التراكمي للقوانين ؛
فالحقوق لا تتراجع دائماً بنص واحد صريح. قد تتقلص عبر مجموعة تعديلات صغيرة، يبدو كل واحد منها محتملاً منفرداً، بينما ينتج مجموعها تحولاً عميقاً في ميزان السلطة والضمانات.
من التشريع الإذعاني إلى التشريع الترهيبي :
لكن التحول الأكثر إثارة للانتباه لا يوجد في النصوص وحدها، بل في اللغة المصاحبة لصناعتها وتمريرها ؛ فحين يوصف نزاع مهني حول قانون بأنه محاولة لـ«لي ذراع الدولة»، أو تستدعى قوة الدولة التاريخية واستمراريتها في سياق الرد على فئة مهنية تنازع في قانون يمس تنظيمها واستقلالها، فإننا لا نبقى أمام خلاف تشريعي عادي. لقد تغير الحقل الدلالي نفسه ، فبدلاً من السؤال: هل القانون متوازن وعادل ودستوري؟
يصبح السؤال الضمني: من يستطيع مواجهة الدولة؟
وهنا تنتقل السلطة من إنتاج القاعدة إلى إنتاج الخوف من الاعتراض عليها ، ويمكن تسمية المرحلة الأولى تشريعاً إذعانياً عندما تصبح المشاركة شكلية بينما يظل مركز القرار محصناً أمام التأثير الحقيقي للمخاطبين بالقانون.أما حين يصاحب ذلك خطاب يستدعي الهيبة والقوة والدولة في مواجهة الاعتراض المهني، فإننا نقترب من التشريع الترهيبي ، ليس بالضرورة لأن النص يعاقب المعترض، وإنما لأن اللغة المحيطة به تعيد ترميز النقد و الاعتراض المشروع باعتباره تحدياً لسلطة الدولة.
وهنا تلتقي سيميائية الأهواء مع ما وصفته حنة آرنت بـ«تفاهة الشر»: فالاختلالات الكبرى لا تحتاج دائماً إلى خطاب استثنائي؛ قد تنتج من تطبيع إجراءات ومفردات وممارسات تبدو عادية، حتى يصبح الاستثناء جزءً من الحياة المؤسساتية اليومية.
الدولة ليست الوزير ولو ادعى السيادة لوزارته :
تزداد المسألة حساسية عندما يستدعى الأمر الملكي بتنفيذ القانون ونشره باعتباره نهاية للكلام ؛ فالأمر بتنفيذ قانون نافذ داخل النظام الدستوري شيء، وتحويله خطابياً إلى حجة لإغلاق النقاش حول القانون شيء آخر ؛ لأن صدور الأمر بالتنفيذ لا يلغي حق المجتمع في نقد القانون، ولا حق البرلمان في تعديله، ولا إمكان مساءلة مقتضياته دستورياً متى فتحت المسالك الدستورية لذلك.
وإن الأهم أن المؤسسة الملكية لا ينبغي أن تتحول في الخطاب السياسي إلى أداة حجاجية يستخدمها فاعل حكومي لحسم خلاف بينه وبين فاعلين اجتماعيين أو مهنيين ، لأن الدولة أكبر من الحكومة، والحكومة أكبر من الوزير، والدستور أكبر من القانون العادي، واستمرارية الدولة لا تعني عصمة السياسات العمومية من النقد ، ومن ثم فإن الرد على خطاب «لي ذراع الدولة» لا ينبغي أن يكون بمحاولة لي الذراع المقابلة. فالجواب المؤسساتي أبسط وأعمق: إن المحاماة لا تواجه الدولة؛ إنها تنازع، من داخل دولة القانون، في تصور معين لكيفية ممارسة السلطة التشريعية.
قانون المحاماة بوصفه واقعة كاشفة :
لهذا يشكل القانون رقم 66.23 حالة شديدة الدلالة ، فقد أصبح قانوناً نافذاً بعد صدور الأمر بتنفيذه ونشره، لكن ذلك جاء عقب قرار المحكمة الدستورية القاضي بتعذر البت في الإحالة «على حالها». وهنا ينبغي تجنب انحرافين متقابلين: لا يجوز اعتبار التعذر حكماً بعدم الدستورية، كما لا يجوز تحويل التنفيذ اللاحق إلى شهادة ضمنية بالمطابقة للدستور.
لقد نفذ القانون، بينما بقي سؤال دستوريته، في الحدود التي لم تخضع للفحص، سؤالاً مفتوحاً من الناحية الموضوعية.
ومن هنا ينبغي الانتقال من شعار الرفض المجرد إلى استراتيجية أدق : تطبيق بلا تطبيع، وتعديل بلا انتظار ، أي احترام القوة الملزمة للقانون حيث يجب تطبيقه، مع فرز مقتضياته، وتوثيق آثارها، وصياغة بدائلها، واستعمال كل الآليات الدستورية والتشريعية المتاحة لمراجعتها ؛ فالامتثال للقانون لا يعني تقديسه، والنقد لا يعني العصيان.
التزامات الإنصاف والمصالحة أمام امتحان جديد :
لكن المسألة تتجاوز المحاماة ووزير العدل والحكومة نفسها.
إنها تمس سؤالاً أعمق يتعلق بمصير أحد أكبر الوعود السياسية والحقوقية التي حملتها تجربة الإنصاف والمصالحة: ضمان عدم التكرار ، ولقد كان من السهل نسبياً فهم عدم التكرار باعتباره ضمانة ضد عودة الانتهاكات الجسيمة بصورها التاريخية المعروفة ؛ غير أن التفكير النقدي التوقعي يفرض توسيع المفهوم.
فعدم التكرار لا يعني فقط ألا يتكرر الماضي بالصورة نفسها؛ بل يعني أيضاً تفكيك الشروط المؤسساتية والقانونية والخطابية التي تسمح بإعادة إنتاج منطقه في صور جديدة ، فقد لا يعود الماضي بالأسماء نفسها ، ولا بالأجهزة نفسها ، ولا بالقوانين نفسها.
لكنه يستطيع العودة عبر اللغة، والإجراءات، وتضييق الوسائط، وإضعاف المؤسسات المستقلة، وتحويل النقد إلى شبهة، والاختلاف إلى تحد للهيبة، والاستثناء إلى ممارسة عادية. ؛ وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة من مصير قانون بعينه: هل بنت المصالحة مؤسسات تمنع إعادة إنتاج التعسف، أم اكتفت بإغلاق ملفات التعسف السابق؟
لا ندق المسمار الأخير في نعش المصالحة :
لذلك قد لا يكون دقيقاً القول إن هذه السياسة دقت «آخر مسمار في نعش الإنصاف والمصالحة»، لأن مثل هذه العبارة تعلن موت المشروع الذي ينبغي، على العكس، استعادته والدفاع عن منطقه التأسيسي ، والأدق أن نقول في سياق الأمل النقدي والمتحفظ :
إن السياسة التشريعية للعدالة أصبحت تضع وعد عدم التكرار أمام أحد أصعب اختباراته ؛ فالإنصاف والمصالحة ليسا ذكرى يحتفى بها، ولا رصيداً رمزياً يستهلك عند الحاجة. إنهما التزام مستمر بأن تتعلم الدولة من تاريخها ؛ والتعلم المؤسساتي لا يقاس بما تقوله الدولة عن الماضي، بل بما تفعله عندما تواجه اختلافاً في الحاضر ؛ وهنا تكمن المفارقة: إذا كانت المصالحة قد نقلت الدولة من منطق القوة تجاه الاختلاف إلى منطق المؤسسات، فلا ينبغي أن تعيد السياسة اليومية إنتاج لغة تجعل الاختلاف مع الحكومة اختلافاً مع الدولة.
ما العمل؟
ليس المطلوب انتظار نهاية ولاية وزير أو حكومة، لأن تغيير الأشخاص لا يضمن تغيير البنيات ، كما لا يكفي إسقاط قانون أو تعديل مادة إذا بقيت الفلسفة التي أنتجتها قادرة على إنتاج قوانين أخرى ، فالمطلوب أولاً إجراء تقييم حقوقي وتشريعي تراكمي لقوانين العدالة خلال المرحلة الأخيرة، يقيس أثرها المشترك على استقلال القضاء والدفاع، والولوج إلى العدالة، والأمن القضائي، والحريات، والتنظيم الذاتي للمهن القانونية.
والمطلوب ثانياً تحويل الاعتراض المهني إلى قوة اقتراح تشريعية ، من إعداد تعديلات دقيقة، وتعبئة الآليات البرلمانية والتشاركية، واستدراك الزمن الدستوري المتعلق بالدفع بعدم الدستورية ؛ والمطلوب ثالثاً تحرير الخلاف من ثنائية الدولة والمحامين ، فليس هناك منتصر داخل دولة تخسر أحد مكوناتها؛ وكل انتصار مؤسساتي يتحقق بإضعاف مؤسسة أخرى هو في النهاية توزيع للخسارة داخل الدولة نفسها.
لكن المطلوب، قبل ذلك كله، هو استعادة السؤال الذي ربما غاب طويلاً عن تقييم تجربة الإنصاف والمصالحة: كيف ننتقل من ضمان عدم تكرار الانتهاك إلى منع إعادة إنتاج القدرة على الانتهاك؟
هنا يبدأ التفكير النقدي التوقعي ، فهو لا ينتظر وقوع الضرر لكي يدينه، وإنما يبحث في الشروط التي تجعله ممكناً؛ ولا يكتفي بمساءلة من مارس السلطة، بل يفحص البنية التي سمحت له بممارستها بهذه الكيفية؛ ولا يراهن على رحيل الأشخاص، بل على بناء مؤسسات تستطيع حماية الحقوق أياً كان الأشخاص الذين يتولون السلطة. وهكذا ربما يكون السؤال الحقيقي عشية نهاية هذه الولاية ليس: ماذا سيترك وزير العدل وراءه؟
بل: أي منظومة عدالة سنترك نحن بعده: منظومة قادرة على تصحيح نفسها واستدراك اختلالاتها، أم منظومة تنتظر في كل مرة تغير الأشخاص حتى تستعيد توازنها؟
فالاستدراك اليوم ليس هزيمة لأحد، بل انتصار لفكرة الدولة على نزعة السلطة ، وإن المصالحة التي لا تستطيع حماية المستقبل من إعادة إنتاج شروط الماضي تظل مصالحة غير مكتملة. أما ضمان عدم التكرار الحقيقي، فيبدأ عندما تصبح الدولة قادرة على أن تقول لنفسها، قبل أن يقول لها الآخرون: هنا ينبغي أن نتعقل انفسنا و نتوقف، ونراجع، ونستدرك.

