تتجه العلاقة بين المغرب والاتحاد الأوروبي نحو منعطف نوعي، يتجاوز منطق الشراكة التقليدية القائمة على البرامج والتمويلات، نحو صيغة أقرب إلى “تحالف وظيفي” يمنح الرباط دورًا أكبر في صياغة السياسات الأوروبية ذات التأثير المباشر عليها. هذا التحول في الخطاب والمقاربة برز بوضوح خلال الدورة الخامسة عشرة لمجلس الشراكة بين المغرب والاتحاد الأوروبي، التي انعقدت أواخر يناير الماضي في بروكسل.
خلال ذلك اللقاء، دعا وزير الخارجية ناصر بوريطة إلى الانتقال بالعلاقات من منطق “الجار” إلى منطق “الحليف”، ومن مقاربة تقنية قائمة على المشاريع إلى شراكة استراتيجية تتيح “إدماج المغرب بشكل كامل” في مسارات اتخاذ القرار في المجالات التي تمسه مباشرة، على غرار بعض الدول في مرحلة ما قبل الانضمام.
تحالف بلا عضوية
الخبير في العلاقات الدولية نبيل الأندلوسي يرى أن هذا الطرح لا يعني السعي إلى الانضمام القانوني للاتحاد، بل التطلع إلى شراكة متقدمة ذات طابع شبه مؤسساتي، تمنح المغرب صوتًا وتأثيرًا أكبر دون التزامات العضوية الكاملة. فالمملكة ترتبط أصلًا بوضع “الوضع المتقدم” منذ 2008، ما أتاح لها الاستفادة من اتفاقيات متعددة وتمويلات أوروبية مهمة.
غير أن الخطاب الجديد يعكس، بحسب الأندلوسي، رغبة في الانتقال من منطق الاستفادة من البرامج إلى منطق التأثير في السياسات، خاصة في مجالات التجارة، والأمن، والهجرة، والطاقة.
خلفيات التحول
يرتبط هذا التحول بثلاثة عوامل رئيسية:
أولًا، التحولات الجيوسياسية في حوض المتوسط ومنطقة الساحل (مالي، بوركينا فاسو، النيجر)، حيث بات المغرب فاعلًا أمنيًا واقتصاديًا محوريًا، لا يمكن تجاوزه في ملفات الاستقرار والهجرة ومحاربة الإرهاب. وتندرج ضمن هذا السياق المبادرة الملكية لتمكين دول الساحل من الولوج إلى المحيط الأطلسي، التي أعادت تموضع الرباط كحلقة وصل استراتيجية بين إفريقيا وأوروبا.
ثانيًا، التغيرات في موازين الطاقة وسلاسل التوريد بعد الأزمات الدولية، ما رفع من قيمة الاستقرار المغربي كشريك موثوق بالنسبة لأوروبا الباحثة عن بدائل قريبة وآمنة.
ثالثًا، الرغبة في إعادة ضبط العلاقة مع الاتحاد الأوروبي على أساس وضوح أكبر وتوازن أوضح، بما يخدم المصالح الاستراتيجية المشتركة طويلة الأمد.
معادلة مزدوجة
إدارة هذه المرحلة، وفق القراءة ذاتها، ستقوم على معادلة مزدوجة: تعميق التقارب المؤسساتي في القطاعات ذات الأولوية، مقابل الحفاظ على القرار السيادي في القضايا الاستراتيجية. وهو ما قد يترجم عمليًا عبر مزيد من الاتفاقيات القطاعية، والمواءمة التشريعية الانتقائية، والمطالبة بآليات تشاور مبكر قبل صدور قرارات أوروبية مؤثرة على المصالح المغربية.
فالواقع، كما يقول الأندلوسي، يكشف أن العلاقة ما تزال قائمة على المصالح المتبادلة، لكنها تتجه تدريجيًا نحو صيغة “تحالف وظيفي”: الاتحاد يرى في المغرب شريك استقرار وبوابة نحو إفريقيا، والمغرب يرى في أوروبا شريكًا اقتصاديًا أساسيًا ينبغي تعميق التعاون معه ضمن إطار “رابح–رابح”.
تنويع الشركاء… لا قطيعة
في المقابل، لا يُنظر إلى تنويع الرباط لشركائها – نحو الولايات المتحدة وإفريقيا وآسيا – باعتباره تناقضًا مع خيار تعميق العلاقة الأوروبية. فالتنويع في الدبلوماسية لا يعني القطيعة، بل تقليص الارتهان لمحور واحد وتعزيز القدرة التفاوضية.
ويبدو أن المغرب يسعى إلى بناء شبكة علاقات متعددة الاتجاهات، تجمع بين شراكات شمال–جنوب وجنوب–جنوب، بما يعزز موقعه في نظام دولي يشهد إعادة تشكل مستمرة.
بين التمويل والتأثير
في يناير الماضي، كشفت مفوضية الاتحاد الأوروبي بالرباط أن تمويلاتها لمشاريع في المغرب خلال 2025 بلغت نحو 234 مليون يورو، موجهة لدعم التنمية القروية والانتقال الأخضر والطاقة والنمو الاقتصادي. غير أن الرهان المغربي، وفق الخطاب الجديد، لم يعد يقتصر على حجم التمويلات، بل يمتد إلى مستوى التأثير في صياغة السياسات ذات الصلة.
في المحصلة، يبدو أن الرباط تختبر اليوم موقعًا جديدًا داخل الفضاء الأوروبي: ليست عضوًا مرشحًا، ولا شريكًا تقنيًا فقط، بل فاعلًا يسعى إلى تثبيت حضوره كمكوّن وظيفي في معادلة الاستقرار الإقليمي. ويبقى السؤال مفتوحًا حول مدى استعداد أوروبا للانتقال من منطق “الشريك المتقدم” إلى منطق “الحليف المؤثر”، في لحظة تتسم بتعقيدات جيوسياسية غير مسبوقة.

