Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

من الكوطا إلى الدوائر الجهوية.. تطور حضور المرأة في المؤسسة التشريعية

شهدت تمثيلية النساء داخل المؤسسة التشريعية تطورا تدريجيا على مدى العقدين الأخيرين، في إطار مسار إصلاحي يروم تعزيز حضور المرأة في الحياة السياسية وتمكينها من المساهمة الفعلية في صنع القرار. وقد انطلق هذا المسار مع اعتماد آليات التمييز الإيجابي سنة 2002، من خلال تخصيص مقاعد للنساء ضمن اللائحة الوطنية، وهو ما شكل خطوة مهمة نحو توسيع قاعدة المشاركة النسائية داخل البرلمان.

قبل اعتماد هذه الآلية، لم تكن المنظومة الانتخابية تتضمن أي مقتضيات تشجع حضور النساء في المؤسسة التشريعية، إذ كان تمثيل المرأة في البرلمان محدودا للغاية، ولم يتجاوز نائبتين خلال تسعينيات القرن الماضي. غير أن اعتماد نظام “الكوطا” سنة 2002 مكن من تخصيص ثلاثين مقعدا للنساء، الأمر الذي ساهم في رفع عدد البرلمانيات بشكل ملحوظ، وفتح الباب أمام مشاركة نسائية أوسع في العمل التشريعي والرقابي.

وقد تعزز هذا التوجه مع الإصلاحات الدستورية لسنة 2011 التي كرست مبدأ المساواة بين الجنسين، ونصت على السعي نحو تحقيق المناصفة، إضافة إلى إحداث هيئة المناصفة ومكافحة كل أشكال التمييز. كما عرف القانون التنظيمي لمجلس النواب تعديلات مهمة أفضت إلى رفع عدد المقاعد المخصصة للنساء ضمن اللائحة الوطنية إلى ستين مقعدا، ما ساهم في ارتفاع عدد النساء داخل البرلمان.

ومع توالي الاستحقاقات الانتخابية، شهدت آليات تمثيلية النساء تحولا آخر تمثل في اعتماد الدوائر الانتخابية الجهوية، التي خصصت لترشيحات النساء بهدف ضمان حد أدنى من حضورهن داخل مجلس النواب. وتندرج هذه الآلية ضمن مقاربة مرحلية تروم تمكين النساء من اكتساب التجربة السياسية اللازمة وتعزيز فرصهن في التنافس داخل الدوائر الانتخابية المحلية.

إلى جانب ذلك، أقرت المنظومة الانتخابية الجديدة تحفيزات مالية لفائدة الأحزاب السياسية التي تدعم ترشيح الشباب والنساء، خاصة اللوائح الجهوية التي تضم مترشحات شابات لا يتجاوز عمرهن 35 سنة. كما تم رفع قيمة الدعم العمومي الممنوح للأحزاب عن كل مقعد يفوز به شاب أو شابة، أو مغربي مقيم بالخارج، أو شخص في وضعية إعاقة، في خطوة تهدف إلى تشجيع تجديد النخب السياسية وتعزيز التنوع داخل المؤسسات المنتخبة.

كما تضمنت القوانين المنظمة للأحزاب السياسية مقتضيات تشجع إدماج النساء في مسار تأسيس الأحزاب، من خلال اشتراط تمثيلية نسائية لا تقل عن الخمس ضمن الأعضاء المؤسسين. ويعكس هذا التوجه حرص المشرع على تعزيز حضور المرأة في الحياة الحزبية منذ مراحلها الأولى، بما يساهم في إعداد كفاءات نسائية قادرة على خوض غمار التنافس الانتخابي.

ورغم ما تحقق من تقدم على مستوى التمثيلية العددية للنساء داخل البرلمان، فإن التحدي المطروح اليوم يتمثل في الانتقال من مجرد الحضور العددي إلى المشاركة الفعلية والمؤثرة في العمل التشريعي والرقابي. ويتطلب ذلك مواصلة الجهود الرامية إلى تعزيز قدرات النخب النسائية السياسية، وتكريس ثقافة التنافس السياسي القائم على الكفاءة والاستحقاق.

وفي أفق الاستحقاقات المقبلة، يظل الرهان قائما على ترسيخ هذا المسار الإصلاحي المتدرج، بما يضمن حضورا نسائيا أقوى داخل المؤسسة التشريعية، ليس فقط من حيث العدد، بل أيضا من حيث الفعالية والمساهمة في صياغة السياسات العمومية، بما يعزز مسار الديمقراطية والتنمية بالمغرب.

Exit mobile version