منذ صافرة نهاية المباراة النهائية لكأس أمم إفريقيا 2025 بين المنتخبين المغربي والسنغالي، لم تتوقف تداعيات المواجهة عند حدود الخسارة أو التتويج، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث تصاعدت خطابات كراهية وعنصرية متبادلة، استهدفت أفارقة مقيمين بالمغرب من جهة، ومغاربة يعيشون في السنغال من جهة أخرى، في مشهد أثار قلقا إنسانيا واجتماعيا يتجاوز بكثير منطق التنافس الرياضي.
هذا الانزلاق الخطابي، الذي غذّته منصات التواصل الاجتماعي، جعل فئات من المغاربة المقيمين بالسنغال، خصوصا الطلبة، يعيشون حالة من الخوف والضغط النفسي، بعدما وجدوا أنفسهم يدفعون ثمن سجالات لا تمثلهم ولا تعكس قيم التعايش والتاريخ الطويل من الروابط الأخوية التي جمعت البلدين. ومع تصاعد التعميم والوصم الجماعي، تحولت المنافسة الرياضية إلى أداة لإعادة إنتاج الإقصاء والعداء، بدل أن تبقى مساحة للتلاقي والتقارب.
في هذا السياق، حذر طلبة وأطباء مغاربة مقيمون بالسنغال من خطورة استمرار هذا الخطاب، مؤكدين أن الجالية المغربية تعيش وتدرس وتعمل في احترام تام للقوانين والعادات المحلية، وتسهم إيجابيا في المجتمع السنغالي، دون أن تكون طرفا في أي توتر أو استفزاز. وأجمعوا على أن بعض المنشورات العنصرية الصادرة من داخل المغرب أسهمت في تأجيج سوء الفهم، وألحقت ضررا مباشرا بصورة المغاربة في الخارج، وهددت مناخ الثقة المتبادل.
من جهته، اعتبر فاعلون حقوقيون أن ما أعقب نهائي «كان 2025» كشف عن انزلاق خطير لدى فئات معزولة حوّلت الرياضة إلى ذريعة لبث خطاب عدائي يتنافى مع القيم الإنسانية والأخلاقية للمجتمع المغربي. وحذروا من أن خطورة هذه الموجة لا تقتصر على تهديد السلم الاجتماعي داخليا، بل تمتد إلى سلامة وأمن المغاربة المقيمين بعدد من الدول الإفريقية، وفي مقدمتها السنغال، حيث بات بعضهم يتحمل تبعات خطابات لا تعبر عن الأغلبية الساحقة من المغاربة.
وفي مواجهة هذا الوضع، صدرت دعوات طلابية وطبية مشتركة من المغرب والسنغال، شددت على ضرورة التهدئة وضبط النفس، والتمسك بقيم السلام والتسامح والإخاء الإفريقي، مع التحذير من الانسياق وراء الإشاعات والأخبار الزائفة التي تهدف إلى تأجيج التوتر ودفع الشعوب نحو صدامات عبثية. كما طالبت هذه الهيئات بتغليب لغة الحوار، واحترام القوانين، والاعتماد على المعطيات الرسمية، حماية للأشخاص والممتلكات وصونا للعلاقات التاريخية بين البلدين.
في المحصلة، أعاد الجدل الذي أعقب نهائي كأس أمم إفريقيا طرح سؤال أعمق حول مسؤولية الخطاب الرقمي والإعلامي في لحظات التوتر، وحدود تحويل الرياضة من فضاء للفرجة والتنافس الشريف إلى ساحة لتصفية الحسابات الرمزية. وهو سؤال يفرض، اليوم أكثر من أي وقت مضى، وقفة جماعية مسؤولة تحمي كرامة الإنسان، وتصون صورة المغرب، وتحافظ على عمقه الإفريقي كشريك تاريخي لا كخصم عابر في مباراة كرة قدم.

