Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

من تدفّق الرساميل إلى صناعة القيمة.. رأس المال الخاص يعيد رسم موقع المغرب إفريقياً

يشهد الاستثمار في رأس المال الخاص بالمغرب منعطفاً لافتاً، بعدما دخل مرحلة جديدة عنوانها الاعتراف الدولي والانتقال من منطق الجاذبية المالية إلى منطق خلق القيمة المستدامة.

هذا التحول يضع المملكة في صلب خريطة الاستثمار الإفريقية، ويطرح في الآن ذاته تحديات نوعية تتجاوز حجم التدفقات نحو مضمونها وأثرها الاقتصادي.

وفي هذا السياق، أدرج تقرير دولي مرجعي أنجزته Forvis Mazars المغرب ضمن ثلاث وجهات إفريقية فقط تحظى بتفضيل استثمارات رأس المال الخاص، إلى جانب جنوب إفريقيا وكينيا، في سابقة تعكس تطور الإطار المؤسساتي ونضج المنظومة الاستثمارية الوطنية.

التقرير، المبني على استطلاع شمل أزيد من 800 مهني عبر العالم، خلص إلى أن مرحلة العوائد السهلة المعتمدة على الرفع المالي البسيط تقترب من نهايتها، مقابل بروز نموذج جديد يربط النجاح الاستثماري بالتميز التشغيلي، والتخصص القطاعي، واعتماد نفس استثماري طويل الأمد.

ومن أبرز المؤشرات الدالة على هذا التحول، لجوء نسبة كبيرة من صناديق الاستثمار إلى تمديد آجال آلياتها، في تعبير واضح عن ترسخ مفهوم “رأس المال الصبور”، بدورات استثمارية أطول تمتد ما بين ثماني وعشر سنوات، بدل البحث عن أرباح سريعة وقصيرة الأجل.

وتكتسي هذه التحولات أهمية خاصة في السياق المغربي، حيث تشتغل منظومة رأس المال الخاص داخل نسيج اقتصادي تهيمن عليه المقاولات العائلية والصغرى والمتوسطة، ما يفرض على الصناديق لعب دور يتجاوز التمويل، ليشمل مواكبة التحول المؤسساتي، وتحسين الحكامة، ورفع النجاعة التشغيلية.

ويبرز التقرير أن الرهان لم يعد مالياً صرفاً، بل مرتبط بقدرة الصناديق على دعم توسع المقاولات وطنياً وإقليمياً، ومساعدتها على الاندماج في سلاسل القيمة الدولية، بدل الاكتفاء بدور المستثمر الباحث عن الربح السريع.

وفي المقابل، نبه التقرير إلى مخاطر الإفراط في “تمويلنة” الصفقات، محذراً من تجريد الاستثمار من أصوله الحقيقية، وهو ما قد يضعف آليات تدبير المخاطر، خاصة في الأسواق الناشئة.

كما أشار إلى أن التجربة المغربية أبانت تاريخياً أن أنجح عمليات رأس المال الخاص ارتبطت بأصول صناعية وبنيوية ملموسة، مرتبطة بالاقتصاد الحقيقي.

وعلى المستوى القاري، يبرز تموقع الدار البيضاء المالية كرافعة استراتيجية، في ظل احتضانها لأزيد من 200 مؤسسة مالية دولية، ما يؤهلها للانتقال من مركز مالي مستقر إلى منصة إقليمية مولدة للصفقات الصناعية عبر غرب ووسط إفريقيا.

ويتقاطع هذا المسار مع التحولات القطاعية العالمية، حيث تقدمت قطاعات التكنولوجيا والإعلام والاتصالات كوجهات أولى للاستثمار، متجاوزة القطاع المالي، في انسجام مع التوجهات الرقمية التي يراهن عليها المغرب في أفق 2030.

ويخلص التقرير إلى أن الاعتراف الدولي بمكانة المغرب في مجال رأس المال الخاص لا يمثل محطة نهاية، بل بداية مرحلة جديدة، ترفع سقف الانتظارات، وتجعل من بناء القيمة المستدامة جوهر الرهان الاقتصادي الوطني والإفريقي.

Exit mobile version