أقرّ الأمين العام لحزب الاستقلال ووزير التجهيز والماء، نزار بركة، بأن عدد حالات المتابعة في ملفات الفساد خلال السنوات الأربع الأخيرة بلغ “رقماً قياسياً غير مسبوق في تاريخ البلاد”، مشيراً إلى أن هذا الوضع “يعكس في الوقت ذاته فعالية مؤسسات محاربة الفساد واستمرار الظاهرة التي باتت تمسّ منظومة القيم في المجتمع”.
وقال بركة، الذي كان يتحدث في ملتقى الميزان للشباب الذي جمع أكثر من 1500 شاب وشابة من مختلف جهات المملكة، إن “الفساد موجود بل ازداد للأسف الشديد، والمشكلة اليوم ليست في القوانين أو المؤسسات، بل في تغيّر القيم الاجتماعية”، موضحاً أن “المفسدين أصبحوا يحظون بالحظوة، بينما أصبح الالتزام والنزاهة أقل حظاً في النجاح”.
وأضاف أن “هذا الواقع يستدعي مراجعة القيم المجتمعية والعودة إلى المرجعية الأخلاقية والدينية التي ميّزت المجتمع المغربي عبر تاريخه”، داعياً المواطنين إلى “عدم دعم المفسدين، وإبراز النماذج الأخلاقية في مواقع المسؤولية والحياة العامة”.
الفساد بين الردع الأخلاقي والرقابة المؤسساتية
واعتبر الأمين العام لحزب الاستقلال أن ارتفاع أعداد الملاحقات القضائية ضد برلمانيين ومنتخبين وموظفين “دليل على أن مؤسسات الرقابة بدأت تشتغل بفعالية أكبر”، لكنه شدد في المقابل على أن “الفساد لا يُحارب فقط بالقوانين، بل بالقيم، لأن الفساد حين يصبح مقبولاً اجتماعياً، تفقد القوانين تأثيرها”.
وأشار إلى أن “الحل يكمن في التحصين الأخلاقي والتربية على النزاهة منذ المراحل الأولى للتنشئة، إلى جانب دعم استقلالية المؤسسات الرقابية، وربط المسؤولية بالمحاسبة في كل المستويات”.
جيل “الفتح المبين” ومسؤولية البناء
وفي الشق السياسي والفكري من كلمته، وصف نزار بركة الشباب المغربي بأنه “جيل الفتح المبين”، مستشهداً بالآية الكريمة التي استند إليها الملك محمد السادس في أحد خطاباته السامية: “إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً”.
واعتبر أن المرحلة الراهنة تمثل “فتحاً جديداً في مسار الوطن، ينتقل فيه المغرب من مرحلة الدفاع إلى مرحلة البناء والسيادة والريادة”.
ودعا بركة الشباب إلى الانخراط الفاعل والمسؤول في مسار التنمية الوطنية، والمشاركة بثقة في قيادة التحولات التي يشهدها المغرب، في مجالات الاقتصاد الأخضر، والذكاء الصناعي، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الجهوية، مؤكداً أن “الزمن اليوم هو زمن الشباب والمبادرة، لا زمن الانتظار”.
ميثاق الشباب ورؤية الاستقلال للمستقبل
وأعرب الأمين العام عن سعادته بالإصغاء لمداخلات الشباب خلال الملتقى، مؤكداً أنها ستشكل الأساس لصياغة “ميثاق الشباب” الذي يعمل حزب الاستقلال على بلورته، “انطلاقاً من قناعة الحزب بأن الشباب هم محرك التنمية ورافعة التغيير”.
وأوضح أن حزب الاستقلال “لا يخشى المحاسبة”، وأنه “قادر على ربط المسؤولية بالمحاسبة، والإصغاء للانتقادات، وتقديم حصيلة شفافة لما أُنجز وما لم يُنجز بعد”.
كما أكد أن مصداقية الحزب “نابعة من جهوده الحقيقية لتنفيذ وعوده الانتخابية وتقديم حصيلة واضحة”، مستعرضاً عدداً من المشاريع والمبادرات التي أطلقتها الحكومة في مجالات التشغيل، والبنية التحتية، والماء، والنقل العمومي.
التشغيل والجهوية… رهانات التنمية الترابية
وفي حديثه عن ملفات وزارته، كشف بركة عن تشكيل لجنة خاصة بالتشغيل لتحديد المهارات المطلوبة في أفق سنة 2040، معتبراً أن “التطورات التكنولوجية غيرت ملامح سوق العمل، وفتحت أمام الشباب فرصاً جديدة في مجالات رقمية ومبتكرة”.
وأشار إلى أن التأهيل الترابي بات أولوية تنموية، انسجاماً مع التوجيهات الملكية السامية، بهدف تمكين كل قرية من مشروعها الخاص للتنمية المحلية.
وأوضح أن وزارة التجهيز والماء عقدت اتفاقيات شراكة مع سبع جهات في مجالات الطرق والموانئ والماء، مؤكداً أن “الجهوية المتقدمة أصبحت واقعاً ملموساً يمكّن الجهات من قيادة مشاريعها بنفسها”.
الصحة والنقل العمومي… رهانات العدالة المجالية
وفي الجانب الاجتماعي، أشار نزار بركة إلى أن المجموعات الترابية للصحة تمثل نموذجاً رائداً في تفعيل الجهوية المتقدمة في المجال الصحي، إذ “تسمح بوضع مخططات جهوية تستجيب للخصوصيات المحلية لكل منطقة”.
كما كشف عن قرب إطلاق أسطول جديد من حافلات النقل العمومي بعدد من المدن، بإشراف من وزارة الداخلية، “تراعي معايير الولوجيات لفائدة جميع المواطنين، بما في ذلك الأشخاص في وضعية إعاقة”.
دعوة للعودة إلى القيم وبناء الثقة
وفي ختام كلمته، شدد الأمين العام لحزب الاستقلال على أن شعار الحزب في انتخابات 2021، “الإنصاف”، سيظل موجهاً لعمله السياسي والحكومي، مؤكداً أن “الإنصاف ليس شعاراً بل رؤية شاملة لتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وتمكين الشباب من دورهم القيادي في بناء مغرب المستقبل”.
وختم بركة قائلاً: “علينا أن نعيد الاعتبار للمعقول، وأن لا نسمح بأن يصبح الفساد أسلوب عيش مقبولاً… فالإصلاح الحقيقي يبدأ من القيم”.

