Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

نزيف صامت للمقاولات.. أرقام رسمية تكشف فشل سياسات الحكومة في ضمان بقاء المقاولة الصغرى

في وقت تواصل فيه الحكومة تسويق خطاب “تشجيع المبادرة الخاصة” و“تسهيل إحداث المقاولة” باعتباره أحد أعمدة سياساتها الاقتصادية، تكشف الأرقام الرسمية الصادرة عن المرصد المغربي للمقاولات الصغرى جدا والصغرى والمتوسطة عن واقع مقلق، عنوانه الأساسي: سهولة التأسيس لا تعني القدرة على الاستمرار.

فخلال سنة واحدة فقط، دخلت أزيد من 11.500 مقاولة مغربية طور الحل، أغلبها لم يتجاوز خمس سنوات من العمر، في مؤشر صارخ على هشاشة النسيج المقاولاتي، وعلى إخفاق السياسات العمومية في مرافقة المقاولة خلال أكثر مراحلها حساسية، أي مرحلة التوطيد والبقاء في السوق.

التقرير السنوي للمرصد، الذي يستند إلى قواعد بيانات محينة لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، والمديرية العامة للضرائب، والمكتب المغربي للملكية الصناعية والتجارية، كشف أن عدد المقاولات ذات الشخصية المعنوية التي تم حلها بلغ 11.596 مقاولة سنة 2024، مسجلا ارتفاعا سنويا بنسبة 6.3 في المائة مقارنة بسنة 2023، وبنسبة مقلقة بلغت 57.3 في المائة مقارنة بسنة 2017. وهو منحى تصاعدي لا يمكن تفسيره بظرفية اقتصادية عابرة، بقدر ما يعكس خللا هيكليا في منظومة دعم المقاولة.

ولا يتعلق “حلّ المقاولة” هنا بالإفلاس القضائي بالمعنى الضيق، بل بقرار منظم يسبق التصفية والتشطيب من السجل التجاري. غير أن خطورة المؤشر تكمن في كونه يعكس اختيار آلاف المقاولين الانسحاب من السوق بعد استنفاد قدرتهم على الصمود، في غياب بيئة اقتصادية تحمي المبادرة وتوزع المخاطر بشكل عادل.

الأكثر دلالة في معطيات التقرير ليس فقط عدد المقاولات التي أغلقت أبوابها، بل أعمارها. إذ تركزت حالات الحل في المقاولات التي يتراوح عمرها بين سنتين وخمس سنوات، تليها فئة ست إلى عشر سنوات، وهو ما ينسف الخطاب الحكومي الذي يربط نجاح السياسة الاقتصادية بعدد المقاولات المحدثة. فالأزمة، كما تظهر الأرقام بوضوح، ليست في التأسيس، بل في البقاء داخل اقتصاد لا يكافئ سوى الفاعلين الكبار.

قطاعيا، تصدرت التجارة وإصلاح السيارات والدراجات النارية قائمة القطاعات الأكثر تضررا بنسبة تفوق 30 في المائة، تلتها أنشطة البناء بنسبة 18.3 في المائة، ثم الخدمات بنسبة 15.4 في المائة. وهي قطاعات تشكل العمود الفقري للتشغيل الحضري، ما يعني أن انهيار المقاولات لا يظل محصورا في أرقام محاسباتية، بل يمتد إلى النسيج الاجتماعي وسوق الشغل.

أما جهويا، فقد احتضنت جهة الدار البيضاء–سطات أكثر من 32 في المائة من المقاولات التي دخلت طور الحل، تلتها جهات مراكش–آسفي، والرباط–سلا–القنيطرة، وطنجة–تطوان–الحسيمة. وهو توزيع يعكس تمركز النشاط الاقتصادي، لكنه يكشف في الآن ذاته أن الجهات الأكثر دينامية هي أيضا الأكثر هشاشة بالنسبة للمقاولات الصغرى، بسبب ارتفاع الكلفة وشدة المنافسة والضغط الجبائي والعقاري.

ويرسم التقرير صورة مزدوجة للاقتصاد المغربي: دينامية في إحداث المقاولات مقابل هشاشة بنيوية في استدامتها. ففي سنة 2024، بلغ عدد المقاولات ذات الشخصية المعنوية نحو 380 ألف مقاولة، بارتفاع طفيف قدره 1.3 في المائة. غير أن 94 في المائة من هذه المقاولات لا يتجاوز رقم معاملاتها 10 ملايين درهم، بينما لا تمثل المقاولات الصغرى والمتوسطة بالمعنى الدقيق سوى 5.5 في المائة من المجموع، في حين تستحوذ الشركات الكبرى، رغم محدودية عددها، على القيمة والامتيازات والطلب العمومي.

ورغم تسجيل تحسن في رقم المعاملات الإجمالي والقيمة المضافة والصادرات، فإن التقرير يؤكد أن هذه الدينامية تظل شديدة التمركز، ولا تنعكس بالقدر الكافي على المقاولات الناشئة والصغرى جدا. فالقيمة تظل محتكرة من طرف فئة محدودة، بينما تواجه الأغلبية عراقيل متزايدة في الولوج إلى التمويل، خصوصا بالنسبة للمقاولات التي تسيرها نساء، والتي لا تستفيد إلا من نسبة ضعيفة من القروض البنكية.

في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي رشيد سادي أن المشكل الحقيقي لا يكمن في عدد المقاولات التي تُغلق، بل في النموذج الاقتصادي والسياسات العمومية التي تجعل الإغلاق مسارا شبه طبيعي للمقاولة الصغرى. ويوضح أن “ما يقع اليوم هو نتيجة منطقية لسياسة تخلط بين التشجيع الشكلي على إحداث المقاولات وغياب تصور فعلي لمواكبة مرحلة التوطيد”.

ويضيف أن وزارة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات، في عهد الوزير يونس السكوري، ركزت على خطاب الإدماج أكثر من تركيزها على شروط البقاء، فتم تحميل المقاول الصغير عبء التمويل والجباية والهشاشة الاجتماعية، في حين غابت الدولة عن دورها كفاعل ضامن للتوازن.

ولا تترك هذه المعطيات الرسمية مجالا كبيرا للمناورة السياسية. فحين تُحل آلاف المقاولات سنويا، أغلبها في سنواتها الأولى، وحين يظل التمويل والقيمة محتكرين من قبل فئة محدودة، يصبح الحديث عن “سياسة إدماج اقتصادي ناجحة” بلا سند واقعي. إنها أزمة سياسات عمومية قبل أن تكون أزمة مقاولين، وأزمة رؤية اقتصادية لم تنجح بعد في تحويل شعار “تشجيع المقاولة” إلى بيئة فعلية تضمن لها الحق في البقاء.

Exit mobile version