Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

هيئة النزاهة تنبه للفراغ القانوني في تدبير تنازع المصالح

أعلنت الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها أنها اعتمدت رأي اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية بشأن الصفقة المتعلقة بإعداد خريطة مخاطر الفساد في القطاع الصحي، وقررت تبعًا لذلك إلغاء طلب العروض الذي كان قد تقدّم به أحد المكاتب المتخصصة. القرار، الذي جاء بعد مراجعة مفصلة لوثائق الصفقة، اعتبرته الهيئة تعبيرًا عن حرصها على ضمان أعلى مستويات النزاهة في تدبير طلبياتها، وإرساء قواعد واضحة للتعامل مع حالات تنازع المصالح التي يمكن أن تثير شبهة أو تؤثر على مصداقية العملية برمتها.
وجاء في بيان الهيئة أن مراجعة نظام الصفقات الخاص بها بيّنت أن الصيغة الحالية لنموذج التصريح بالشرف، المتعلق بالتأكيد على عدم وجود حالة تنازع المصالح، تطرح إشكالًا قانونيًا من حيث المفهوم والنطاق. فالنموذج، كما توضّح الهيئة، انتقل من المفهوم الأصلي لتنازع المصالح الذي يخص المتدخلين في مسطرة الإبرام، إلى مفهوم يسري على المتنافسين أنفسهم، وهو ما اعتبرته اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية تعديلًا غير صريح لمقتضيات النظام الخاص بالهيئة، أدى إلى عيب مسطري يستوجب الإلغاء.
هذا القرار فتح مجددًا نقاشًا واسعًا حول الفراغ القانوني الذي يشوب موضوع تنازع المصالح في المغرب. فالهيئة الوطنية للنزاهة، وهي الجهاز الدستوري المكلف بمحاربة الفساد وتعزيز قيم الشفافية، أكدت في بيانها أن غياب إطار قانوني دقيق يضبط هذا المفهوم ويحدد آليات تدبيره، يخلق تفاوتًا في الفهم والتأويل، ويؤدي إلى جدل متكرر في عدد من الملفات، بما فيها تلك المرتبطة بتدبير الصفقات العمومية. وقد شددت الهيئة على أن الفصل 36 من الدستور يفرض على المشرّع وضع قواعد واضحة وصارمة لتنازع المصالح، لضمان النزاهة في تدبير الشأن العام وتعزيز الثقة في القرارات الإدارية.
وبينما خلصت اللجنة الوطنية للطلبيات العمومية إلى أن الإجراءات التي اتخذتها لجنة طلب العروض داخل الهيئة كانت سليمة من حيث الجوهر، إلا أنها أثارت تلقائيًا ملاحظة جوهرية بخصوص نموذج التصريح بالشرف، معتبرة أن هذا الخلل الشكلي يمس سلامة وثائق ملف الصفقة، باعتبار أن أي خلل في مرحلة الإعداد يمكن أن يؤثر لاحقًا على شرعية الإبرام. وأوضحت الهيئة أن هذا الخلل دفعها إلى اتخاذ قرار الإلغاء احترامًا لمبدإ الشرعية ولضمان تماسك قواعد الصفقات العمومية التي تعتمدها.
غير أن النقاش الذي أثارته هذه القضية تجاوز بعدها الإجرائي ليصل إلى القضايا الجوهرية المرتبطة بمنظومة مكافحة الرشوة وتدبير تضارب المصالح في المغرب. فالهيئة لم تكتف بالإعلان عن إطلاق طلب عروض جديد بعد تصحيح الاختلالات، بل أكدت أنها بصدد إعداد رأي مفصل حول منظورها لتنازع المصالح وفق المعايير الدستورية والدولية. ومن بين الإشارات البارزة في بيانها، تمييزها بين ثلاث مستويات من تنازع المصالح: التضارب الفعلي، التضارب المحتمل، والتضارب الظاهري، وهي مستويات تعتمدها الأنظمة المتقدمة في هذا المجال، وتُمكّن من مقاربة أكثر شمولًا للحالات التي قد تمس نزاهة القرار الإداري أو الصفقة العمومية.
ويبدو أن الهيئة أرادت من خلال هذا التمييز أن تبعث رسالة مفادها أن محاربة الفساد ليست مرتبطة فقط بالأفعال المجرّمة، بل بكل وضعية يمكن أن تشكل مظهرًا من مظاهر تضارب المصالح أو تثير شبهة غير مبررة لدى الرأي العام. فالتجارب الدولية، خاصة في الدول التي اعتمدت منظومات متقدمة للنزاهة، تُجمع على أن الشفافية وحدها لا تكفي، بل لا بد من وضع قواعد واضحة للتصريح بالمصالح الخاصة، والإفصاح عن الروابط العائلية أو المهنية أو المالية التي يمكن أن تؤثر على اتخاذ القرار.
وتبرز أهمية هذا النقاش أكثر في ظل السياق الذي تأتي فيه هذه القضية، حيث تعيش المملكة مرحلة مفصلية في إصلاح المنظومة القانونية ذات الصلة بالشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالتقارير الوطنية والدولية لطالما نبّهت إلى ضرورة سد الثغرات القانونية التي تسمح بوجود حالات تضارب المصالح غير المنظمة، خصوصًا في القطاعات التي تشكل محط صفقات كبرى أو تدبيرًا لموارد حساسة، مثل القطاع الصحي الذي كانت الصفقة الملغاة تخصه.
وإذا كانت الهيئة قد اتخذت قرار الإلغاء من باب الالتزام بقواعد الحكامة، فإنها في المقابل حرصت على التأكيد بأن هذا القرار لا يعني وجود مساس بنزاهة المكتب المتنافس أو وجود شبهة فساد، بل إن الأمر مرتبط فقط بعيب مسطري في وثيقة من وثائق الملف. كما أشارت إلى أن الأبحاث الداخلية التي باشرتها الهيئة أكدت سلامة الإجراءات التي قامت بها لجنة طلب العروض، وهو ما اعتبرته دعمًا إضافيًا لحياديتها.
لكن رغم ذلك، فإن الهيئة شددت على ضرورة التعجيل بتدخل تشريعي واضح لسد هذا الفراغ، معتبرة أن غياب تأطير دقيق لمفهوم تنازع المصالح يضع الهيئات والمؤسسات العمومية في مواجهة نقاشات وتأويلات متعددة، ويخلق حالة من عدم اليقين القانوني التي يمكن أن تؤثر سلبًا على الثقة العامة. وهي رسالة موجهة بشكل مباشر إلى البرلمان والحكومة، اللذين يملكان الصلاحيات الكاملة لوضع إطار قانوني يساعد على ضبط هذا المجال بشكل صارم وشفاف.
وفي خضم هذا الجدل، يبدو أن الهيئة الوطنية للنزاهة تسعى من خلال هذا الملف إلى تأكيد دورها كفاعل أساسي في تعزيز الحكامة الجيدة، ليس فقط من خلال مراقبة الصفقات أو تلقي الشكايات، بل أيضًا من خلال الدفع نحو تطوير الإطار القانوني الوطني ليتماشى مع المعايير الدولية. ومن شأن هذا التوجه أن يعزز مكانة المغرب في المؤشرات الدولية المرتبطة بالشفافية والنزاهة، ويكرس ثقة المواطنين في المؤسسات العمومية، وهي عناصر أساسية لأي مسار تنموي مستدام.
وبينما تستعد الهيئة لإطلاق طلب العروض الجديد بعد مراجعة وثائقه، يبقى السؤال الأبرز هو مدى استعداد الفاعل التشريعي للاستجابة للدعوة التي أطلقتها الهيئة. فالتجارب السابقة أظهرت أن بعض الإصلاحات المتعلقة بالنزاهة تعرف بطئًا في التنفيذ أو تأخرًا في الإخراج التشريعي، رغم أهميتها. ومع ذلك، يتفق المتابعون على أن الظرفية الحالية، وما تحمله من تحديات تتعلق بنجاعة المرفق العمومي وثقة المواطن، تجعل من هذا الإصلاح ضرورة ملحّة أكثر من أي وقت مضى.
وبين الإلغاء والتصحيح والدعوة إلى التشريع، يظل هذا الملف نموذجًا للطريقة التي يمكن أن تطور بها المؤسسات أدوارها في محاربة الفساد. فالمسألة لم تعد مرتبطة فقط بملاحقة الأفعال الجرمية، بل ببناء منظومة وقائية شاملة تبدأ من تحديد المفاهيم القانونية بدقة، مرورًا بوضع إجراءات شفافة، وصولًا إلى خلق بيئة يسود فيها اليقين القانوني وتنتفي فيها التأويلات المتضاربة. وفي انتظار ما ستسفر عنه النقاشات داخل المؤسسة التشريعية، يبقى قرار الهيئة خطوة قوية ورسالة واضحة بأن النزاهة تبدأ من احترام المساطر قبل كل شيء.

Exit mobile version