سجلت الودائع البنكية بالمغرب ارتفاعا جديدا خلال الأشهر الأولى من سنة 2026، في مؤشر يعكس استمرار تنامي الادخار وتعزيز ثقة الأسر والمقاولات في القطاع البنكي، بعدما بلغت القيمة الإجمالية للودائع لدى البنوك 1380,5 مليار درهم مع نهاية شهر ماي الماضي، محققة نموا سنويا بنسبة 8,8 في المائة، وفق أحدث المعطيات الصادرة عن بنك المغرب.
وتبرز هذه الأرقام الدينامية التي يعرفها الادخار البنكي بالمملكة، خاصة في ظل التحولات الاقتصادية التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة، حيث واصلت الأسر المغربية تعزيز مدخراتها داخل المؤسسات البنكية، وهو ما ساهم بشكل كبير في الارتفاع الإجمالي لحجم الودائع.
وتشير معطيات البنك المركزي إلى أن ودائع الأسر بلغت 1013,4 مليار درهم، بزيادة سنوية وصلت إلى 8,3 في المائة، لتتجاوز بذلك لأول مرة في تاريخ القطاع البنكي المغربي عتبة ألف مليار درهم. ويعكس هذا التطور تنامي توجه الأسر نحو الادخار البنكي باعتباره الوسيلة الأكثر أمانا للحفاظ على الأموال، رغم تراجع مستويات العائد على بعض المنتجات الادخارية.
ويعتبر بلوغ مدخرات الأسر هذا المستوى مؤشرا مهما على توسع القاعدة الادخارية بالمغرب، كما يعكس استمرار الثقة في المنظومة البنكية، خصوصا في ظل تنامي استخدام الخدمات المالية وتوسع الشمول المالي، إضافة إلى اعتماد عدد متزايد من المواطنين على الحسابات البنكية كوسيلة رئيسية لتدبير مداخيلهم ومدخراتهم.
وتواصل تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج لعب دور أساسي في دعم الادخار الوطني، إذ بلغت ودائع هذه الفئة نحو 230,6 مليار درهم عند نهاية شهر ماي، وهو ما يؤكد استمرار مساهمة الجالية المغربية في تعزيز الموارد المالية للقطاع البنكي، سواء عبر التحويلات المنتظمة أو من خلال الاحتفاظ بجزء مهم من مدخراتها داخل الأبناك المغربية.
وتشكل هذه الودائع رافعة مهمة للاقتصاد الوطني، بالنظر إلى دورها في توفير السيولة للمؤسسات البنكية وتمكينها من تمويل الاستثمارات والمشاريع الاقتصادية، فضلا عن مساهمتها في دعم الاستقرار المالي للمملكة.
وعلى مستوى المقاولات، سجلت ودائع المقاولات غير المالية الخاصة بدورها ارتفاعا لافتا، بعدما بلغت 251,3 مليار درهم، مسجلة نموا سنويا بنسبة 12,5 في المائة، وهو معدل يفوق النمو المسجل لدى ودائع الأسر، بما يعكس تحسنا في مستوى السيولة لدى عدد من المقاولات الخاصة، واستفادة جزء من النسيج الاقتصادي من تحسن النشاط والإيرادات خلال الفترة الأخيرة.
ويرى متابعون للشأن المالي أن ارتفاع ودائع المقاولات يمثل مؤشرا إيجابيا على قدرة عدد من الشركات على تعزيز احتياطاتها المالية، وهو ما قد ينعكس مستقبلا على الاستثمار والتوسع وخلق فرص الشغل، إذا ما تم توجيه هذه الموارد نحو تمويل مشاريع إنتاجية جديدة.
وفي المقابل، كشفت بيانات بنك المغرب عن استمرار تراجع أسعار الفائدة المطبقة على الودائع لأجل، حيث انخفضت الفائدة الخاصة بالودائع لمدة ستة أشهر إلى 2,16 في المائة، بعد تراجعها بـ65 نقطة أساس، فيما تراجعت الفائدة على الودائع لأجل 12 شهرا إلى 2,60 في المائة، بانخفاض بلغ 18 نقطة أساس مقارنة بالفترة السابقة.
ويأتي هذا التطور في سياق التحولات التي تعرفها السياسة النقدية وتطورات السوق المالية، حيث تؤثر مستويات أسعار الفائدة المرجعية وظروف السيولة على العائدات التي تمنحها الأبناك للمودعين، وهو ما يجعل الودائع لأجل أقل جاذبية مقارنة بفترات سابقة كانت تعرف معدلات فائدة أعلى.
ورغم هذا التراجع، اتخذ بنك المغرب خطوة تروم تعزيز جاذبية الادخار، من خلال رفع الحد الأدنى لسعر الفائدة المطبق على حسابات الادخار خلال النصف الثاني من سنة 2026 إلى 1,82 في المائة، بزيادة بلغت 21 نقطة أساس مقارنة بالنصف الأول من السنة.
ومن المنتظر أن يساهم هذا القرار في تحسين مردودية حسابات الادخار، وتشجيع الأسر على مواصلة توجيه جزء من مداخيلها نحو الادخار البنكي، خاصة بالنسبة للفئات التي تعتمد على هذه الحسابات كوسيلة آمنة للحفاظ على مدخراتها وتحقيق عائد مالي مستقر.
وتعكس المؤشرات الأخيرة استمرار متانة القطاع البنكي المغربي وقدرته على استقطاب مزيد من الودائع، سواء من الأسر أو المقاولات أو المغاربة المقيمين بالخارج، وهو ما يوفر قاعدة تمويل مهمة لدعم الاقتصاد الوطني ومواكبة المشاريع الاستثمارية والتنموية خلال المرحلة المقبلة، في وقت يواصل فيه بنك المغرب تتبع تطورات السوق النقدية واتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على التوازن بين تشجيع الادخار ودعم تمويل الاقتصاد.

