Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

وزراء الحكومة يخرقون الدستور في قلب الحملة الانتخابية

انتقل الصراع الانتخابي من البرامج والوعود والرهان على أصوات الناخبين، إلى مستوى أكثر حساسية، يتعلق بمستقبل الحكومة نفسها وبالطريقة التي يجري بها تقديم مآلات الاقتراع قبل أن تُفتح صناديق التصويت.

وفي هذا السياق، أكد كمال الهشومي، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية وعضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، في تصريح لجريدة النهار المغربية، على ان الفصل 47 من الدستور إلى واجهة النقاش، من خلال إثارة مسألة استباق نتائج الانتخابات والحديث عن مواقع ومسؤوليات حكومية قبل أن تحسم الكلمة النهائية في صناديق الاقتراع.

واكد هشومي، ان أهمية الفصل 47 تنبع من كونه لا يتعامل مع الانتخابات باعتبارها مجرد منافسة حزبية، وإنما يربط بشكل مباشر بين نتائج انتخابات مجلس النواب ومسار تشكيل الحكومة. فالفصل ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.

واعتبر هشومي، أن الحملة الانتخابية لا يمكن فصلها عن هذا المقتضى الدستوري. فكل خطاب انتخابي يتحدث عن شكل الحكومة المقبلة أو عن استمرار رئيس الحكومة أو توزيع المسؤوليات الوزارية، قبل ظهور النتائج، يفتح نقاشاً حول حدود الاستباق السياسي، وحول مدى احترام المنطق الدستوري الذي يجعل نتائج الاقتراع نقطة الانطلاق في تشكيل الحكومة.

وهنا تحديدا تكمن أهمية كلام الهشومي؛ إذ إن المسألة، في قراءته، ليست مجرد مناورة انتخابية أو خطاب حزبي عابر، وإنما تتصل بفلسفة الفصل 47 نفسه. فالدستور جعل الناخبين، عبر نتائج انتخابات مجلس النواب، طرفاً أساسياً في تحديد الحزب الذي سينطلق منه مسار تعيين رئيس الحكومة. وبالتالي، فإن الحملة الانتخابية يفترض أن تظل ساحة للتنافس على ثقة الناخب، لا مناسبة لتقديم ترتيبات حكومية وكأن نتائج الاقتراع قد حُسمت سلفاً.

وتزداد حساسية الموضوع عندما تصدر مثل هذه التصريحات عن مسؤولين حكوميين أو قيادات حزبية تشارك في المنافسة الانتخابية، لأن الجمع بين الصفة الحكومية والصفة الانتخابية يجعل كل تصريح قابلاً للقراءة من زاويتين زاوية الموقف الحزبي، وزاوية المسؤولية المرتبطة بممارسة السلطة التنفيذية.

وفي الوقت الذي يفترض أن تكون فيه الحملة الانتخابية مناسبة لعرض البرامج ومناقشة الحصيلة وتقديم البدائل أمام المواطنين، تشهد الساحة السياسية تبادل اتهامات قوية بين عدد من الفاعلين الحزبيين، بما في ذلك مكونات توجد داخل الأغلبية الحكومية نفسها.

هذا التصعيد يضع الفصل 47 في صلب النقاش من جديد. فالحملة هي المرحلة التي يطلب فيها كل حزب من الناخبين منحه الثقة، بينما نتائج الانتخابات هي التي ستحدد موازين القوى داخل مجلس النواب، وهذه الموازين هي التي يرتبط بها دستورياً تعيين رئيس الحكومة.

وبذلك، فإن الحديث عن الحكومة المقبلة قبل معرفة الحزب المتصدر للانتخابات يطرح إشكالية سياسية ودستورية تتجاوز حدود المزايدات الانتخابية. فالفصل 47 وضع ترتيباً واضحاً: انتخابات، ثم نتائج، ثم تعيين رئيس الحكومة، ثم تشكيل الحكومة. وأي خطاب يقلب هذا التسلسل أو يتعامل مع إحدى حلقاته باعتبارها محسومة مسبقاً يصبح موضوعاً مشروعاً للنقاش السياسي والدستوري.

ولا يقف الأمر عند الحديث عن رئاسة الحكومة، بل يمتد إلى طبيعة التواصل السياسي خلال الحملة. فحين يستخدم وزير صفته الحكومية في خضم منافسة انتخابية، أو تتحول التصريحات الحكومية إلى جزء من المواجهة بين الأحزاب، تبرز أسئلة مرتبطة بحدود الفصل بين العمل الحكومي والعمل الحزبي، وبمبدأ تكافؤ الفرص بين المتنافسين.

كما أن تبادل الاتهامات الخطيرة خلال الحملة يفرض قدراً أكبر من المسؤولية في الخطاب السياسي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بادعاءات يمكن أن تمس السمعة أو تتضمن اتهامات ذات طبيعة قانونية. فالانتخابات لا تلغي القواعد القانونية، كما أن الحملة لا تمنح حصانة سياسية مطلقة للتصريحات.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة تدخل الهشومي باعتباره دعوة إلى إعادة النقاش الانتخابي إلى قواعده الدستورية: المواطن يصوت، والنتائج تحدد موازين القوى، والحزب المتصدر يدخل في المسار الذي حدده الفصل 47 لتعيين رئيس الحكومة.

وبينما تتصاعد حرارة الحملة، يبقى الفصل 47 بمثابة خط فاصل بين ما يمكن أن يكون وعداً انتخابياً مشروعاً وما قد يبدو استباقاً لنتائج لم تُعلن بعد. فالناخب هو الذي يمنح الشرعية الانتخابية، وصناديق الاقتراع هي التي تنتج النتائج، والدستور هو الذي يحدد ما يترتب عنها. ولذلك فإن المعركة الحقيقية لا تتعلق فقط بمن يرفع سقف الوعود أو الاتهامات، وإنما أيضاً بمن يحترم التسلسل الدستوري الذي يجعل من إرادة الناخبين المدخل الأول لتشكيل الحكومة المقبلة.

Exit mobile version