لم تكن عبارة «وُزرائي» مجرد زلّة لسان عابرة في خطاب سياسي، بل لحظة انكشاف نادر لعقلية ترى في السلطة امتدادًا للشخص، وفي المؤسسات توابع لإرادته. كلمة واحدة، قيلت بلا حساب، لكنها كشفت أكثر مما تخفيه الخطب المصقولة والبلاغة المحضّرة.
في السياسة، اللغة ليست تفصيلاً. الكلمة موقف، والموقف رؤية. وحين يُنسب الوزراء إلى شخص، لا إلى حكومة أو دولة، فنحن أمام تصور للسلطة قائم على الامتلاك لا على التفويض، وعلى الزعامة لا على المسؤولية الدستورية. الوزير، في منطق الدولة الحديثة، ليس “ملكًا” لأحد، بل وظيفة عمومية مؤطرة بالقانون والمحاسبة. غير أن العبارة جاءت لتقول عكس ذلك تمامًا.
خطورة «وُزرائي» لا تكمن في وقعها الإعلامي، بل في منطقها الداخلي. فهي تفترض وجود مركز واحد للقرار، وبقية الفاعلين مجرد منفذين. تفترض حكومة تُدار بعقل الفرد، لا بمنطق الفريق، ودولة تُختزل في اسم، لا في مؤسسات. وهذا أخطر ما يمكن أن يصيب الممارسة السياسية: أن تتحول الديمقراطية إلى واجهة لغوية، فيما تُدار الأمور بعقلية التملك.
القول إن الإعلام ضخّم المسألة ليس سوى محاولة هروب إلى الأمام. الإعلام لم يفعل سوى التقاط ما خرج عفويًا من اللاوعي السياسي. فاللغة، حين تفلت من الضبط، تتحول إلى مرآة صادقة. ومرآة هذه العبارة عكست ثقافة سياسية ما تزال تختزل الحزب في زعيم، والحكومة في شخص، والسلطة في “أنا”.
هذه ليست أول مرة تكشف فيها زلة لغوية ما يُخفيه الخطاب الرسمي. لكنها من أندر المرات التي يكون فيها الانكشاف بهذه الفجاجة. لأن الأمر لا يتعلق بخطأ نحوي أو تعبير غير موفق، بل برؤية متجذرة ترى في المسؤولين أدوات، وفي الدولة مجال نفوذ.
لا يُصحَّح هذا النوع من الزلات باعتذار سريع أو توضيح تقني. لأنه ليس خطأ فرديًا، بل عرض لمرض سياسي أعمق: مرض الزعامة، وتقديس الشخص، وتهميش المؤسسة. وهو المرض نفسه الذي يُفرغ العمل الحزبي من مضمونه، ويحوّل الحكومة إلى ديكور، والمحاسبة إلى إجراء شكلي.
الخلاصة واضحة ولا تحتاج إلى تلطيف:
من يقول «وُزرائي» لا يخطئ في اللفظ فقط، بل يعبّر عن تصور للسلطة باعتبارها ملكية رمزية.
وتلك ليست زلّة لسان… بل اعتراف غير مقصود.

