Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

يا صديقي سارتر … لقد سُلب منا “الإختيار”

طارق ضرار

يقول الفيلسوف أن ” الذات تتشكل عندما يقوم الفرد بممارسة عملية الاختيار لنفسه، مما ينتج عن ذلك استحالة تجاوز الإنسان لذاتيته من جهة…وفي هذا سار نهج الفيلسوف جان بول سارتر، مدافعا بشراسة على مبدأ “أن الإنسان يوجد أولًا ثم يتعرف إلى نفسه بوجوده، ومن ثمة يحتكّ بالعالم الخارجي، فتكون له صفاته، ويشرع في الاختيار التي تحدّد صفاته، معتبرا ” أن الإنسان لا يكون إلّا ما يختار لنفسِه، فالإنسان يوجد ثم يريد ما يكون، ولا يحق لأي إنسان آخر أن يختار عنه، كما لا يجوز لأي تيار أو توجه أو حتى أيديولوجيا معينة أن تستلب حقه في حريته في الاختيار”…
وأنت تُطالع بعضا من إنتاجات الفلاسفة و المفكرين.. تقف مشدوها لغزارة الإنتاج الفكري.. وقوة الملاحظة والتنسيق في الأفكار و خلق المواقف و الرؤيا.. ربما يصيبك نوع من الإنبهار أمام عظمة التفكير الإنساني وقد تبحر معه في عوالم أخرى تغوص فيها في أعماق الذات الإنسانية وشقائها وأحلامها وآمالها.. تستمر في القراءة مقتفيا عصارة أفكار طبعت تاريخ الحضارة وهيأت مسارات للعلم و الفكر والنماء الإنساني.. حتى ترى ذاتك بين مجموعة الذوات غيبت فكرها و رمت بالتفكير الإنساني و العقلاني في غياهب الظلمات.. أضحى الواحد منا اليوم يخرج من بيته باحثا عن لقمة عيش و عن بعض الدريهمات.. مصرا على إكمال حكمه الأبدي بوقف التفكير.. مسجلا فعل الملاحظة في وجوديته في قائمة المختفين..

لا شك أن الإختيار صفة مهمة في حياة الفرد و الإختيار بداية الطريق الى أي وجهة.. و هنا لا يمكن أن ندخل في جدلية هل الإنسان مسير أم مخير… بل نتعاطى مع الأمر من باب الإحساس و التفكير العقلاني.. فالإختيار هو فعل إنساني في أول الأمر وعمل وجودي يحدد مسارات الإنسان.. و قد نرى تحكم عوامل خارجية في قرار الإختيار وهذا بديهي في عالم أضحت تتداخل فيه كل شيئ انطلاقا مما هو نفسي و إقتصادي ومجتمعي وقيمي ومعرفي وحتى ديني.. هته العوامل قد تشكل و تخلق نوعا من التقنية لخلق التوجهات و التوجيهات و الإشارات لترسم معالم خارطة طريق الإنسان في حياته..ومبدأ الإختيار الدال على وجودية الإنسان والمنتصر لقيمة الوجود الإنساني على الأرض…. يواجه اليوم بالإستيلاب و التحكم في كثير من المشاهد الإنسانية..

والخيار في العيش الكريم تفرضه مجموعة من الأسس تنبني على أسرة سليمة و تعليم جيد وصحة جيدة ومجتمع إنساني ومثقف وسلطة عادلة… الإختيار في الحياة ليس بالسهل الهين بل بالصعب الشقي.. عوامله مهمة في تشكيل الإختيار و الخيار.. قد تقف العائلة و الوطن في جهة و خيارات الحياة في جهة أخرى… للعائلة و الوطن يمكن أن نقول فيها “أني إخترك يا وطني حبا وطواعية”… فيما تبقى خيارات أخرى ترجع لوجودك و ذاتك العاقلة… والخيار اليوم سلب بالمال ..الخيار اليوم سلب بغسيل الأدمغة.. الخيار اليوم سلب بالتفاهات… الخيار اليوم سلب بالجنس.. والخيار اليوم سلب بالدين وتجاره…

وأمام الإستيلاب ضد الحرية وضد أن يكون الفرد حرا وضد أن تعيش الذات حرة..وهنا يمكن أن نرجع لقول الفيلسوف لعلنا نجد بعضا مما نرتوي منه..من فكر ..إذ يقول الفيلسوف ” الحرية عند الوجوديّين كانت ذات بُعد فرديّ واجتماعي، فالفرد والمجتمع ينبغي أن يكونا على القدر نفسه من الحرية، ويكمُن مصدر النزعة الإراديّة في الفلسفة الوجودية في أنّه مِن حقّ كل إنسان أن يختار، حتى أنه من حقه ألّا يختار، فعزوف الفرد عن الاختيار هو اختيار في حدّ ذاته…

Exit mobile version