Site icon أشطاري 24 | Achtari 24 – جريدة الكترونية مغربية

1500 ملم في طنجة و11.4 مليار م³ في السدود.. أمطار استثنائية تعيد رسم الخريطة المائية لشمال المغرب

يعيش شمال المغرب واحدا من أكثر المواسم المطرية استثنائية منذ عقود، بعدما تجاوزت التساقطات بمدينة طنجة عتبة 1500 مليمتر منذ بداية الموسم المطري في شتنبر، أي ما يعادل ثلاثة إلى أربعة أضعاف المعدل السنوي المعتاد، في مشهد مناخي غير مسبوق جمع بين إنعاش الموارد المائية وارتفاع منسوب المخاطر الطبيعية في آن واحد.

وأوضح الحسين يوعابد، مسؤول التواصل بالمديرية العامة للأرصاد الجوية، أن ما شهدته مناطق طنجة وشفشاون وحوض اللوكوس وغرب الريف لا يمكن اعتباره مجرد أمطار موسمية عادية، بل نتيجة تفاعل جوي معقد تقوده ظاهرة تُعرف علميا بـ”الأنهار الجوية”، وهي تيارات كثيفة من الرطوبة قادمة من المناطق المدارية، تنقل كميات ضخمة من بخار الماء عبر الغلاف الجوي قبل أن تتحول إلى أمطار غزيرة عند اصطدامها بكتل هوائية باردة أو بسلاسل جبلية مرتفعة.

وخلال الفترة الممتدة من فاتح إلى 9 فبراير 2026، تعزز هذا النشاط المطري بمرور منخفضين جويين بارزين، هما “ليوناردو” الذي بدأ تأثيره في الرابع من فبراير، و”مارتا” الذي نشط بقوة يومي السابع والثامن من الشهر ذاته، ما أدى إلى تضاعف حدة التساقطات في ظرف زمني قصير ورفع منسوبها إلى مستويات قياسية.

الأرقام المسجلة تعكس حجم التحول المناخي بوضوح؛ ففي طنجة، بلغت التساقطات نحو 1500 مليمتر منذ شتنبر، مقابل معدل سنوي يتراوح عادة بين 400 و500 مليمتر، فيما تجاوزت الكميات الشهرية في بعض المناطق أربعة أو خمسة أضعاف المعدلات المعتادة. كما سجلت شفشاون أكثر من 700 مليمتر منذ بداية السنة الهيدرولوجية، مع تركّز واضح للأمطار في الشريط الأطلسي الشمالي والمناطق الجبلية للريف الغربي، مقابل تأثير محدود نسبيا في الوسط والجنوب، ما يعكس اختلالا مجاليا في توزيع الأمطار.

ويؤكد يوعابد أن خطورة الوضع لا ترتبط فقط بحجم التساقطات، بل بوتيرتها الزمنية وتركيزها الجغرافي، إذ إن تدفق كميات كبيرة من المياه خلال فترة وجيزة يرفع من احتمالات الفيضانات والانجرافات، حتى في مناطق معتادة على الأمطار، ما يضع البنيات التحتية والأنشطة الاقتصادية أمام اختبارات صعبة.

في المقابل، كان لهذه الأمطار أثر إيجابي ملموس على الوضعية المائية الوطنية، إذ ارتفع المخزون الإجمالي للسدود إلى نحو 11.4 مليار متر مكعب، بزيادة تقارب 147 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، وبلغ معدل الملء حوالي 68.5 في المائة إلى غاية 10 فبراير، وهو أعلى مستوى يُسجل منذ سنة 2018. ويعكس هذا التحسن انفراجا نسبيا بعد سنوات متتالية من الجفاف أثرت على الفرشات المائية والقطاع الفلاحي.

غير أن هذا التحسن لا يخفي، بحسب المتحدث ذاته، واقع التقلبات المناخية الحادة التي أصبحت سمة بارزة في السنوات الأخيرة، حيث تتناوب فترات الجفاف الطويلة مع موجات مطرية قوية ومركزة زمنيا، ما يفرض تحديات جديدة على مستوى تدبير الموارد المائية والوقاية من المخاطر الطبيعية، ويستدعي نماذج تخطيط أكثر مرونة واستباقية.

وبخصوص التوقعات القريبة، تشير المعطيات الجوية إلى فترة هدوء نسبي وارتفاع تدريجي في درجات الحرارة خلال الأيام المقبلة، قبل عودة اضطرابات جديدة نهاية الأسبوع، قد تكون معتدلة إلى محليا قوية في طنجة والريف واللوكوس، مع تساقطات ضعيفة أو منعدمة في الجنوب. كما يُرتقب أن يساهم المرتفع الجوي للأزور، ابتداء من الأحد، في إعادة الاستقرار التدريجي للأجواء.

ومع استمرار هذا النسق المتقلب، يبدو أن شتاء 2025–2026 مرشح ليُسجل ضمن أكثر الفصول غزارة في شمال المغرب خلال العقود الأخيرة، في صورة تختزل مفارقة المناخ المعاصر: وفرة مائية تعيد الأمل، وتقلبات قصوى تفرض اليقظة الدائمة.

Exit mobile version